حذّر أمين أبو راشد، الرئيس السابق لمؤتمر فلسطينيي أوروبا، من أن التوجه نحو إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني في ظل التعيينات المسبقة والقيود المفروضة على المشاركة والترشح، لن يقود إلى إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، معتبراً أن ما يجري يعكس محاولة لإعادة إنتاج الواقع القائم ومنحه شرعية جديدة بدلاً من بناء إطار وطني جامع قادر على مواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية.
وقال أبو راشد خلال مشاركة له في لقاء "الصالون السياسي"؛ الذي تنظمه مؤسسة الرسالة للإعلام؛ إن الشعب الفلسطيني يواجه في المرحلة الراهنة ثلاثة تحديات كبرى تتمثل في "إبادة غير مسبوقة، وتهجير حقيقي، ومشروع تهويد متصاعد"، وهي تحديات كان يفترض أن تدفع القيادة الفلسطينية إلى وقفة وطنية جادة تعيد خلالها تقييم المشروع السياسي الذي بدأ قبل سنوات طويلة، وتبحث في أسباب وصول الحالة الفلسطينية إلى واقعها الراهن.
وأضاف أن المطلوب لم يكن الذهاب مباشرة إلى ترتيبات تتعلق بالمجلس الوطني، وإنما فتح نقاش وطني شامل حول المشروع السياسي الفلسطيني ومؤسساته وأدواته، معتبراً أن القيادة الفلسطينية "كانت جزءاً من الأزمة"، وأن أي تحرك لا ينطلق من معالجة أصل الخلل سيؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها.
وركز أبو راشد على مسألة التعيينات داخل المجلس الوطني، قائلاً إن الحديث عن عملية ديمقراطية يفقد معناه عندما تكون هناك أسماء و"كوتات" محسومة مسبقاً، مشيراً إلى أن اللجنة التنفيذية قررت، وفق قوله، 160 اسماً يجري تعيينهم، في الوقت الذي توضع فيه شروط وضوابط على من يحق له الترشح أو المشاركة.
وتساءل: "أي عملية ديمقراطية نتحدث عنها إذا كانت هناك قيود على الترشح والمشاركة، وفي المقابل هناك كوتة معينة يجري تعيينها؟"، معتبراً أن هذه الآلية تثير تساؤلات جدية حول طبيعة المجلس الذي يراد تشكيله ومدى قدرته على تمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
وأشار أبو راشد إلى أن المشكلة أعمق من طريقة اختيار أعضاء المجلس، وترتبط أساساً بمكانة منظمة التحرير الفلسطينية ودورها ومشروعها السياسي، مؤكداً أن الفلسطينيين في الخارج يعتبرون أنفسهم أبناء للمنظمة ولا يسعون إلى بناء إطار بديل عنها، وإنما يريدون استعادة منظمة التحرير باعتبارها بيتاً وطنياً جامعاً لكل الفلسطينيين.
وقال: "نحن أبناء المنظمة، ولا نريد أن نبني أي منظمة دونها"، مضيفاً أن السؤال الأساسي هو: "أي منظمة نريد؟ هل نريد منظمة تجمع الداخل والخارج في مشروع وطني في مواجهة الاحتلال، أم مجلساً وطنياً يبقى سقفه السياسي أوسلو؟".
وشدد على ضرورة إعادة بناء البيت الفلسطيني أولاً، وتفعيل مؤسساته وأطره الوطنية قبل الانتقال إلى إعادة تشكيل المجلس، معتبراً أن الأطر الفلسطينية الأساسية باتت مغيبة إلى حد كبير، الأمر الذي يجعل أي تغيير شكلي في تركيبة المؤسسات عاجزاً عن معالجة الأزمة السياسية القائمة.
وأضاف أن المطلوب هو استعادة منظمة التحرير لدورها باعتبارها الممثل الجامع للفلسطينيين، وإعادة العلاقة بين فلسطينيي الداخل والشتات على قاعدة مشروع وطني مشترك، محذراً من أن استمرار العمل ضمن السقف السياسي الذي أفرزته اتفاقات أوسلو من شأنه تكريس الانقسام بين الداخل والخارج وإضعاف قدرة الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال.
وتطرق أبو راشد إلى التجارب السياسية السابقة، مشيراً إلى أن الاستحقاقات الفلسطينية تعطلت في مراحل سابقة تحت ذرائع مختلفة، من بينها الموقف الإسرائيلي من إجرائها في القدس وقطاع غزة، متسائلاً عن الأساس الذي تستند إليه الدعوات الحالية في ظل غياب الإجماع الوطني واستمرار الانقسام وتعطل المؤسسات.
كما انتقد حل المجلس التشريعي الفلسطيني سابقاً، واصفاً الخطوة بأنها "غير ديمقراطية وغير قانونية"، ومتسائلاً في الوقت ذاته عن واقع المجلس الوطني ومدى تفعيله خلال السنوات الماضية، قبل الحديث عن إعادة تشكيله أو ضخ أعضاء جدد فيه.
ورأى أبو راشد أن وضع شروط مسبقة للترشح والمشاركة، بالتوازي مع اعتماد تعيينات وحصص محددة، يجعل الحديث عن تجديد الشرعيات موضع شك، مضيفاً أن أي عملية سياسية لا تنطلق من توافق وطني ومشروع واضح يجيب عن تحديات الإبادة والتهجير والتهويد ستبقى، بحسب تعبيره، "قفزة في الهواء".
وحذّر من أن تتحول الترتيبات الحالية إلى وسيلة لإعادة إنتاج النخبة السياسية ذاتها أو ترتيب عملية "توريث جديدة" داخل المؤسسات الفلسطينية، بدلاً من إحداث تغيير حقيقي يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية ويمنح الفلسطينيين في الوطن والشتات دوراً فعلياً في صناعة القرار.
وأكد أبو راشد أن الأولوية يجب ألا تكون للأسماء أو الحصص والتعيينات، بل للاتفاق أولاً على ماهية منظمة التحرير التي يريدها الفلسطينيون، ومشروعها السياسي، وطبيعة تمثيلها للشعب الفلسطيني، وآليات استعادة مؤسساتها لدورها الحقيقي.
وختم بالتأكيد أن الأزمة لا يمكن اختزالها في آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني، قائلاً إن المطلوب هو العودة إلى "أصل الحكاية"، وإعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس وطنية جامعة، قبل منح أي ترتيبات جديدة غطاءً سياسياً أو شرعية شكلية، مشدداً على أن فرض القيود على المشاركة والترشح مع وجود تعيينات مسبقة يتناقض مع أي حديث جدي عن إصلاح وتمثيل وطني حقيقي.