في القدس المحتلة، قد لا ينتهي الحكم القضائي بالسجن خلف القضبان.
أحيانًا، يخرج المحكوم من المحكمة إلى عقوبة أخرى تُسمى «خدمة الجمهور»؛ يقضي خلالها شهورًا في العمل بخدمة المستوطنين دون أجر داخل مؤسسات تحددها السلطات الإسرائيلية، في إجراء تصفه المنظومة القانونية الإسرائيلية بأنه بديل عن السجن، بينما يصفه مقدسيون خضعوا له بأنه عقوبة تستنزفهم وتقيّد حياتهم وتفرض عليهم أعمالًا لا يختارونها.
القضية عادت إلى الواجهة مع الحكم على المصورة والناشطة المقدسية آلاء الصوص بالسجن البديل عبر «خدمة الجمهور» لمدة تسعة أشهر، إضافة إلى غرامة مالية تقارب 600 دولار، وستة أشهر سجنًا مع وقف التنفيذ، في قضية تتعلق باتهامها بـ«التحريض».
وقضية الصوص واحدة من سلسلة قضايا استخدمت فيها هذه العقوبة بحق مقدسيين، بينهم صحفيون وناشطون، خصوصًا في قضايا مرتبطة بالمسجد الأقصى والنشاط السياسي أو التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي.
من هي آلاء الصوص؟
آلاء الصوص مصورة وناشطة مقدسية عُرفت بتوثيق الحياة اليومية في القدس، وبخاصة ما يجري في المسجد الأقصى والبلدة القديمة.
وفي شهادة سابقة لها، قالت الصوص إنها تعمل مصورة ومنسقة لأنشطة القراءة، وإن علاقتها بالمسجد الأقصى تتجاوز كونه مكانًا دينيًا؛ فقد عاشت طفولتها في ساحاته، وعملت في مكتبة المسجد ونظمت أنشطة للأطفال.
كما تحدثت عن تعرضها للملاحقة والاستدعاء والتحقيق على خلفية نشاطها وتصويرها ونشرها ما يجري في القدس.
وفي عام 2022، أصيبت الصوص بكسر في يدها أثناء توثيق اعتداء قوات الاحتلال على المصلين والمعتكفين في المسجد الأقصى، لكنها واصلت التصوير رغم إصابتها.
وسبق أن أُبعدت عن المسجد الأقصى، إذ وثقت تقارير فلسطينية صدور قرار بإبعادها لمدة أسبوع في سبتمبر/أيلول 2023.
بالنسبة إليها، لم تكن الكاميرا مجرد أداة مهنية، بل وسيلة لتوثيق مدينة تقول إن سلطات الاحتلال تحاول التحكم في صورتها وحضور الفلسطينيين فيها.
ماذا تعني «خدمة الجمهور»؟
من الناحية القانونية، «خدمة الجمهور» هي عقوبة بديلة عن السجن الفعلي، يُطلب فيها من المحكوم أداء عمل لصالح مؤسسات أو جهات عامة دون الحصول على أجر.
لكن تطبيقها على المقدسيين أخذ منحى مختلفًا، بحسب شهادات وتقارير فلسطينية.
فالمحكوم لا يختار عادةً العمل الذي سيؤديه، ولا يحصل على راتب مقابله، وقد يُطلب منه الالتزام بساعات عمل يومية طويلة، ما يعني أنه يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على ممارسة عمله الأصلي أو إعالة أسرته.
وتشير تقارير فلسطينية إلى أن أماكن تنفيذ العقوبة قد تشمل المستشفيات والحدائق وبيوت المسنين ومؤسسات إسرائيلية أخرى.
لماذا يصفها مقدسيون بأنها «عقوبة مهينة»؟
لأن القضية، وفق شهادات مقدسيين خضعوا لها، لا تتعلق فقط بالعمل المجاني، وإنما بطبيعة الأعمال التي يُكلّف بها المحكومون وظروف أدائها.
فقد وثقت تقارير فلسطينية تكليف مقدسيين بأعمال من بينها تنظيف دورات المياه، وغسل الأطباق، ونقل أعلاف الحيوانات، وتغيير حفاضات كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويروي المقدسي جميل العباسي، الذي حُكم عليه سابقًا بستة أشهر من «خدمة الجمهور»، أنه كان يبدأ العمل في السابعة صباحًا وينتهي في الثالثة عصرًا، دون مقابل.
وبعد انتهاء ساعات الخدمة، كان ينتقل إلى عمله المدفوع الأجر داخل القدس حتى ساعات الليل، حتى يتمكن من إعالة أسرته.
وقال إن الأعمال التي أُسندت إليه شملت العمل في دور المسنين والمطابخ، كما تحدث عن تكليفه بتغيير حفاضات المسنين وغسل الأطباق وتنظيف دورات المياه.
وهكذا، بالنسبة إلى من يخضعون لهذه العقوبة، لا يعني عدم دخول السجن أنهم يعيشون حياة طبيعية.
إنها ساعات طويلة من العمل الإجباري، تضاف إليها المواصلات، ثم محاولة العودة إلى العمل الأصلي إن أمكن، مع ما يترتب على ذلك من إرهاق وخسائر اقتصادية وضغط على الأسرة.
سجن بلا قضبان
لهذا يصف مقدسيون «خدمة الجمهور» بأنها «سجن بلا قضبان».
فالمحكوم لا يُغلق عليه باب زنزانة، لكنه يصبح ملزمًا بجدول عمل تحدده السلطات، وفي كثير من الحالات يُمنع عمليًا من الاستفادة من ساعات اليوم في عمله أو حياته الخاصة.
وفي إحدى الحالات التي وثقتها التقارير، كان جميل العباسي يقضي ساعات النهار في الخدمة المجانية، ثم يذهب إلى عمله المأجور حتى العاشرة مساءً. ويقول إنه لم يعد يرى أطفاله إلا وهم نائمون.
وهنا تظهر المفارقة: العقوبة تُقدم قانونيًا باعتبارها بديلًا عن السجن، لكنها بالنسبة إلى بعض المقدسيين قد تعني فقدان العمل، والدخل، والوقت مع الأسرة، إضافة إلى الإحساس بالإهانة والإجبار.
الحكم على الصوص يسلط الضوء مجددًا على العلاقة بين الملاحقة القضائية للنشطاء المقدسيين وبين العقوبات التي تبقيهم خارج السجن، لكنها تفرض قيودًا قاسية على حياتهم.
آلاء ليست غريبة عن هذا النوع من الملاحقة.
ففي شهادتها السابقة، تحدثت عن استدعائها للتحقيق على خلفية اتهامها بـ«التحريض» بسبب نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، وقالت إن عملها في توثيق القدس والأقصى جعلها عرضة للاستدعاءات والاعتقال والإبعاد.
واليوم، وبعد سنوات من الملاحقة، تواجه تسعة أشهر من «خدمة الجمهور».
ما تكشفه تجربة «خدمة الجمهور» هو أن العقوبة لا تقاس فقط بعدد الأشهر التي يقضيها المحكوم في العمل.
هناك أثر آخر يمتد إلى الأسرة والوظيفة والدخل والوقت والكرامة الشخصية.
فالمقدسي الذي يخرج صباحًا لأداء ساعات من العمل المجاني قد يعود إلى منزله متعبًا، أو يضطر إلى التخلي عن عمله المدفوع، أو العمل حتى ساعات متأخرة لتعويض دخله.
وفي مدينة تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة والقيود المفروضة على الفلسطينيين، يمكن لمثل هذه العقوبة أن تتحول إلى ضغط اقتصادي واجتماعي إضافي.
ولهذا يرى مقدسيون أن «خدمة الجمهور» لا يمكن فصلها عن منظومة أوسع من الإجراءات التي يقولون إنها تضيق عليهم سبل الحياة في مدينتهم.