في أحد الخيام في مدينة غزة، تجلس نائلة مريش على كرسيها المتحرك، تنظر إلى حياة لم تعد تشبه تلك التي كانت تعرفها قبل الحرب.
كانت نائلة امرأة شابة، زوجة وأمًا لطفلة صغيرة، تعيش مع أسرتها في حي الشجاعية. لم تكن تطلب من الحياة أكثر من بيت آمن، وأسرة تجتمع حولها، وطفلة تكبر أمام عينيها. لكن الحرب دفعتها، مثل آلاف الغزيين، إلى النزوح، وتركت خلفها بيتها وكل ما اعتادت عليه.
خرجت نائلة مع عائلتها من الشجاعية، وتنقلت بين أماكن عدة بحثًا عن الأمان، حتى وصلت إلى منطقة الرمال. في الأيام الأولى من النزوح، اضطرت الأسرة إلى قضاء يومين في الشارع بحثًا عن مكان يؤويها. ومع ذلك، كان وجود والدتها وأفراد عائلتها إلى جانبها يمنحها شيئًا من الطمأنينة.
ثم جاءت طائرات الاحتلال. في الثامن من يوليو/تموز 2025، كانت نائلة تعد الطعام إلى جانب والدتها عندما قصف الاحتلال منطقتهم و تحول المكان إلى ركام ودماء.
تتذكر نائلة أنها فقدت وعيها للحظات، ثم فتحت عينيها لترى والدها يحاول سحبها، فيما كانت والدتها ملقاة على الأرض غارقة في دمائها. كانت هي وأفراد آخرون من أسرتها مصابين.
لم تكن تعرف في تلك اللحظة أن حياتها ستنقسم إلى ما قبل ذلك الاستهداف وما بعده.
كانت تنزف، وجسدها لا يستجيب. وبينما كانت تفقد وعيها، مرت أمام عينيها صور حياتها، ولم يكن في رأسها سوى خوف واحد: أن تفقد ساقيها.
نُقلت إلى المستشفى، وغابت عن الوعي خمسة أيام. وعندما فتحت عينيها، وجدت نفسها محاطة بالأجهزة الطبية والأنابيب، عاجزة عن فهم ما حدث لها.
كان السؤال الأول عن والدتها.
قيل لها إنها في العناية المركزة، في محاولة لتأجيل الحقيقة عنها. لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تبقى مخفية.
بعد أيام، سمعت شخصًا عند باب المستشفى يعزي زوجها.
حينها عرفت أن أمها استشهدت.
لم تكن نائلة قد نجت من القصف فحسب، بل استيقظت لتجد أن المرأة التي كانت تمنحها الأمان في وسط الحرب لم تعد موجودة.
أمضت نحو 30 يومًا لا تتناول الطعام أو الشراب، وتعتمد على المحاليل، ما أدى إلى إصابتها بسوء تغذية وتدهور إضافي في حالتها الصحية.
ثم جاءت الحقيقة الثانية، الأكثر قسوة: الإصابة لم تكن مجرد جروح يمكن أن تلتئم.
أصيب العمود الفقري، وتضرر النخاع الشوكي، وأصبحت نائلة تعاني شللًا نصفيًا أفقدها القدرة على الحركة والإحساس والسيطرة على بعض وظائف جسدها.
تقول نائلة إنها ما زالت صغيرة على أن تتقبل فكرة أن تقضي بقية حياتها على كرسي متحرك.
لكن الحرب لم تأخذ منها القدرة على المشي وحدها.
أخذت أمها؛ وأخذت جزءًا من حياتها؛ وتركتها في خيمة نزوح، تحتاج إلى رعاية طبية ومستلزمات أساسية لا تجدها بسهولة في غزة.
وفي يونيو/حزيران 2026، كانت نائلة لا تزال تنتظر السفر للعلاج، بعدما حصلت على تحويلة طبية، بينما تعرقل إجراءات السفر وصولها إلى العلاج خارج القطاع. وتقول التقارير إنها تحتاج إلى رعاية وتأهيل متخصصين، في وقت تعيش فيه ظروف نزوح شديدة القسوة.
نائلة اليوم لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المستقبل.
لا تطلب المستحيل.
لا تريد بيتًا فاخرًا، ولا حياة تشبه تلك التي كانت تعيشها قبل الحرب. كل ما تريده أن تحصل على فرصة للعلاج.
أن تجد طبيبًا يستطيع أن يخبرها إن كان جسدها قادرًا على استعادة شيء مما فقده.
أن تضع قدميها على الأرض مرة أخرى؛ أن تقف وأن تحمل طفلتها بيديها، بدل أن تراقبها من فوق كرسي متحرك.
تقول نائلة: "نفسي أرجع أمشي… أوقف على رجلي… وأشيل بنتي."
جملة قصيرة، لكنها تختصر حكاية امرأة لم تطلب من الحرب سوى أن تترك لها جسدها.
نائلة مريش.. نجت من القصف لكن جسدها لم ينجُ
الرسالة نت - خاص