لم يكن شقيق محمود الدريملي يتوقع أن يقوده تصفح عابر لشبكات الإنترنت إلى صورة ستفتح جرحًا لم يلتئم منذ عامين. بين عشرات الصور، توقفت عيناه عند وجه يعرفه جيدًا؛ وجه شقيقه محمود، الذي اختفى قبل عامين، ولم يصل عنه أي خبر منذ ذلك الحين.
يقول شقيق الأسير إن العائلة تعرفت إلى ابنها فورًا، رغم ما بدا عليه من إرهاق وانكسار. يظهر، بحسب رواية شقيقه، مكبل اليدين، مغمض العينين، جالسًا بين مجندتين إسرائيليتين تبتسمان أمام الكاميرا، في مشهد تصفه العائلة بأنه يحمل قدرًا من السخرية والإذلال.
ويضيف: "عثرنا على الصورة بالصدفة على الإنترنت، وما إن رأيناها حتى أدركنا أنه شقيقي. لم نحتج إلى وقت طويل لنتأكد من ملامحه."
لكن الصورة، رغم أنها بددت شكًا قديمًا حول مصيره، لم تجلب للعائلة إجابة واحدة عن السؤال الذي يطاردها منذ عامين: أين يوجد الآن؟ وهل ما زال على قيد الحياة؟
يؤكد شقيق محمود أن الأسرة لم تتلقَّ أي معلومات رسمية عن مكان وجود شقيقه أو وضعه القانوني، ولم تتمكن من الوصول إلى أي جهة تقدم لها إجابة شافية.
ويقول بحرقة: "لا ندري إلى أين نتوجه، ولا إلى من نلجأ. كل ما نريده أن ينجدنا أحد، أن يحاول أحد أن يعرف أي كلمة عن شقيقنا المفقود منذ ذلك الوقت."
وتحوّلت الصورة بالنسبة للعائلة إلى خيط أمل مؤلم؛ فهي تثبت، من وجهة نظرهم، أنه كان حيًا لحظة التقاطها، لكنها في الوقت نفسه تزيد الغموض حول مصيره الحالي، وتطيل انتظارًا امتد لعامين من القلق والأسئلة المفتوحة.
وبينما تحتفظ الأسرة بالصورة كدليل وحيد على وجوده، يبقى اسم محمود حاضرًا في دعائها اليومي، على أمل أن يتحول ذلك الوجه الجامد في الصورة إلى إنسان يعود يومًا إلى منزله، ويضع حدًا لسنوات الغياب والانتظار.
ولا تمثل قصة محمود الدريملي حالة فردية، بل واحدة من أكثر الملفات غموضًا وإيلامًا في الحرب على غزة. وتشير تقديرات حقوقية إلى أن عدد المفقودين والمخفين قسرًا في القطاع يتجاوز 11,200 شخص، بينهم أكثر من 4,700 من النساء والأطفال، فيما سُجلت مئات البلاغات الرسمية عن حالات فقدان لا يزال مصير أصحابها مجهولًا. وبين تلك الأرقام تقف آلاف العائلات، مثل عائلة الدريملي ، معلقة بين الأمل واليأس، تبحث عن صورة، أو رسالة، أو معلومة، أو حتى كلمة واحدة تؤكد أن أحبّتها لم يبتلعهم الغياب إلى الأبد.