تشكل أزمة إنهاء علاقات المراسلة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني منذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، لأنها لا تتعلق بالقطاع المصرفي فحسب وإنما تمس البنية التي تقوم عليها حركة التجارة والمدفوعات والخدمات الأساسية.
ولعل إبلاغ بنكي هبوعليم وديسكونت الإسرائيليين، الجانب الفلسطيني عزمهما إنهاء علاقات المراسلة اعتبارا من سبتمبر وأكتوبر المقبلين يفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين الاقتصادي رغم تمديد وزارة المالية الإسرائيلية ترتيبات العلاقة المصرفية حتى نهاية العام الجاري.
وتكمن أهمية علاقات المراسلة في أنها تمثل القناة التي تمر عبرها عمليات المقاصة بالشيكل ومدفوعات التجارة الخارجية وتسوية أثمان الكهرباء والمياه والوقود إلى جانب التحويلات التجارية بين الشركات.
ولذلك فإن أي اضطراب في هذه القنوات لن ينعكس على البنوك وحدها وإنما سيمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، مع ارتفاع تكاليف المعاملات المالية وتعطل جزء من عمليات الاستيراد وزيادة الضغوط على الشركات والمستثمرين.
وتكشف هذه الأزمة عن اختلالات هيكلية رافقت الاقتصاد الفلسطيني لسنوات، أبرزها الاعتماد الكبير على الشيكل في ظل غياب عملة وطنية، إلى جانب استمرار تراكم فائض نقدي داخل الجهاز المصرفي نتيجة دخول كميات كبيرة من الشيكل إلى السوق الفلسطينية مقابل إعادة جزء أقل منها إلى إسرائيل.
كما أن استمرار العلاقات المصرفية استند طوال السنوات الماضية إلى تمديدات وضمانات مؤقتة ما جعلها عرضة للتقلبات السياسية والقانونية بدلا من أن تقوم على ترتيبات مستقرة وطويلة الأجل.
وفي حال مضت البنوك الإسرائيلية في تنفيذ قراراتها، فإن التداعيات لن تقتصر على تعطيل المدفوعات التجارية وإنما قد تمتد إلى زيادة الاعتماد على النقد واتساع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع مخاطر التهرب المالي فضلا عن الضغوط المتزايدة على القطاع المصرفي والمالية العامة.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤثر في ثقة المستثمرين ويضعف قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة في مرحلة تتطلب تعزيز النشاط الاقتصادي لا تقييده.
وتبرز الأزمة في جوهرها هشاشة النموذج الاقتصادي الفلسطيني الذي يعتمد على عملة غير وطنية وقنوات مالية خارجية ترتبط إلى حد كبير بالسوق الإسرائيلية.
ومن هنا، فإن تجاوزها لا يتحقق عبر تمديد المهل الزمنية فقط وإنما من خلال إصلاحات هيكلية تشمل توفير ضمانات قانونية مستقرة للعلاقات المصرفية وتنويع البنوك المراسلة وقنوات الدفع وتعزيز الشراكات المالية الإقليمية وتسريع التحول إلى المدفوعات الإلكترونية.
فهذه الخطوات من شأنها تعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود وتقليل تبعيته المالية وبناء نظام أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المستقبلية.