مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

صوتٌ وصورة ظل.. كيف صنعت تسجيلات الضيف  مجده  الاعلامي؟

الرسالة نت - خاص

لا صورة واضحة، ولا مؤتمر صحفي، ولا ظهور علني. مجرد تسجيل صوتي قصير، بنبرة هادئة وكلمات معدودة، كان كافيًا ليتصدر نشرات الأخبار، ويتحول إلى العنوان الرئيس في وسائل الإعلام، ويشغل المحللين لأيام.

على امتداد نحو ثلاثة عقود من العمل العسكري، وأربع حروب كبرى على قطاع غزة، وعشرات جولات التصعيد والمواجهات، ظل محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام، حاضرًا في الميدان وغائبًا عن الكاميرا. ومنذ توليه قيادة الجناح العسكري للحركة، اعتمد الظهور عبر تسجيلات صوتية نادرة، لتتحول مع مرور الوقت إلى جزء من صورته العامة، وتكرّس شخصيته باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات غموضًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

في زمن البث المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي، اختار الضيف أن يكون الصوت وسيلته الوحيدة للتواصل مع الجمهور. ولم يكن غياب الصورة مجرد صدفة، بل اعتبره كثير من المحللين جزءًا من استراتيجية تقوم على السرية وحماية هوية القيادة، وهو ما أسهم في تعزيز هالة الغموض التي أحاطت به، ورسّخ صورته باعتباره قائدًا استطاع الإفلات من محاولات الاغتيال المتكررة التي استهدفته على مدار سنوات.

واعتمد الضيف التسجيلات الصوتية في محطات مفصلية، سواء قبيل جولات القتال أو خلالها أو بعد انتهائها. لذلك، لم يكن الاهتمام ينصب على مضمون الرسائل وحده، بل امتد إلى توقيت صدورها، الذي كان يُقرأ باعتباره مؤشرًا على تطورات ميدانية أو سياسية.

ومن أبرز تلك التسجيلات، الرسالة التي بثتها كتائب القسام صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأُعلن فيها بدء عملية "طوفان الأقصى". وسرعان ما انتشر التسجيل على نطاق واسع، ليصبح أحد أكثر المقاطع الصوتية تداولًا خلال تغطية تلك الأحداث.

ورغم قصر مدة هذه التسجيلات، فإنها استقطبت اهتمامًا إعلاميًا واستخباراتيًا واسعًا. فقد سعت وسائل إعلام وخبراء إلى تحليل نبرة الصوت، وطريقة الإلقاء، وجودة التسجيل، وحتى المؤثرات الصوتية المحيطة به، في محاولة لاستنتاج مكان التسجيل أو توقيته أو الظروف التي أُنجز فيها، إلا أن معظم تلك التحليلات بقي في إطار التقديرات غير المؤكدة.

ومع مرور السنوات، تجاوزت التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى محمد الضيف كونها بيانات إعلامية، لتصبح عنصرًا أساسيًا في الغموض الذي أحاط بشخصيته، وجزءًا من الصورة التي تشكلت عنه في الوعي العام. وبين ندرة الظهور وكثرة التكهنات، بقي صوته حاضرًا حتى عندما غابت صورته.

وحظيت هذه التسجيلات باهتمام خاص في وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي كانت تتابع صدورها وتفرد لها تغطيات وتحليلات موسعة. وركزت تلك التحليلات على ندرة ظهور الضيف، معتبرة أنها تعكس مستوى عاليًا من السرية والإجراءات الأمنية التي تحيط به.

كما رأى محللون إسرائيليون أن توقيت نشر التسجيلات لا يقل أهمية عن مضمونها، إذ اعتُبرت في كثير من الأحيان رسائل مرتبطة بتطورات ميدانية أو سياسية. وتطرقت تقارير إسرائيلية إلى محاولات أجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام تحليل جودة التسجيل، وطريقة الإلقاء، وما إذا كانت الرسائل مسجلة حديثًا أم مأخوذة من أرشيف سابق، مع الإقرار بأن الوصول إلى استنتاجات حاسمة ظل أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي معظم التحليلات الإسرائيلية، وُصفت تسجيلات "رجل الظل" بأنها جزء من الحرب الإعلامية والنفسية، وأن ظهور صوته في اللحظات المفصلية كان كفيلًا باستقطاب اهتمام واسع لدى وسائل الإعلام والرأي العام، بصرف النظر عن طول الرسالة أو عدد كلماتها، ليبقى الصوت، لسنوات، هو الصورة الوحيدة لقائد اختار أن يظل بعيدًا عن الأضواء.

بث مباشر