مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

نساء غزة.. حين يصبح الغياب عبئًا آخر فوق الحرب

نساء غزة.. حين يصبح الغياب عبئًا آخر فوق الحرب
نساء غزة.. حين يصبح الغياب عبئًا آخر فوق الحرب

الرسالة نت - خاص

 

لم تعد إخلاص المصري تخشى القصف وحده، بل تخشى الليل أيضًا. تنام في خيمتها مع أطفالها الثلاثة، بينما يقيم زوجها وابنها الأكبر في تركيا بعد أن غادرا قطاع غزة في تحويلة طبية لعلاج الابن المصاب بالهيموفيليا. منذ ذلك اليوم، انقسمت العائلة إلى نصفين، وبقيت الأم تواجه وحدها حربًا لا تتوقف.

تقول إخلاص إن الخوف أصبح أسلوب حياة. تخرج بحثًا عن الطعام وهي قلقة على أطفالها الذين تركتهم في الخيمة، وتعود مسرعة خشية أن تكون قد وقعت غارة أو صدر أمر إخلاء جديد.

 وفي الليل، لا يغمض لها جفن، تراقب كل صوت وكل حركة، وتتساءل: إذا جاء الإخلاء فجأة، ماذا سأحمل؟ أأحمل أطفالي، أم ما تبقى من أمتعتنا، أم أفك الخيمة التي تؤوينا؟

تستعيد أيام المجاعة، حين لم يكن هناك رجل يقف في طوابير الطحين أو يخاطر بالبحث عن لقمة تسد جوع الأطفال. كانت الأم تقوم بكل شيء وحدها؛ تؤمن الطعام، وتحمي الصغار، وتواسيهم، بينما تكتم خوفها حتى لا ينتقل إليهم.

 إخلاص صورة لآلاف النساء في غزة اللواتي تبدلت أدوارهن قسرًا. فمنهن من فقدت زوجها شهيدًا، ومنهن من اعتُقل زوجها أو فُقد أثره، ومنهن من شتتت الحرب عائلتها بعد سفر أحد أفرادها للعلاج أو النجاة، لتجد نفسها مسؤولة وحدها عن أطفالها وسط النزوح والجوع والقصف.

تحولت الأم إلى المعيل والحامي والمسعف والطاهي والمفاوض، تحمل المياه، وتقف في طوابير المساعدات، وتبحث عن الطعام، وتحتضن أطفالها كلما دوى انفجار. وفي الوقت نفسه، تخوض معركة نفسية يومية ضد الخوف والوحدة والإرهاق، بينما لا تجد من تتكئ عليه إذا انهارت.

الحرب لم تسلب هؤلاء النساء أزواجهن فحسب، بل سلبتهن الإحساس بالأمان. فكل قرار أصبح أثقل؛ كيف يحمين أبناءهن؟ إلى أين يهربن؟ ومن يحمل الأطفال إذا اضطررن للركض؟ وكيف يواصلن الحياة وهن لا يعرفن إن كان الغد سيمنحهن فرصة أخرى للبقاء؟

في غزة تُقاس خسارة النساء بحجم المسؤوليات التي أُلقيت على عاتقهن فجأة. وبينما يواصلن رعاية أطفالهن، يخفين دموعهن حتى لا ينهار البيت الأخير الذي ما زال قائمًا... قلوب أبنائهن.

 ووفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أصبحت أكثر من 58,600 أسرة في قطاع غزة تعيلها نساء نتيجة استشهاد الأزواج أو فقدانهم أو تشتت العائلات بفعل الحرب، فيما فقدت أكثر من 16 ألف امرأة أزواجهن منذ اندلاعها. وبينما تستمر الحرب في تمزيق العائلات، لا تحمل النساء في غزة عبء إعالة أطفالهن فحسب، بل يحملن أيضًا خوفًا دائمًا من قصفٍ مفاجئ، أو نزوحٍ جديد، أو ليلة أخرى يقضينها وحيدات في مواجهة المجهول.