بينما كانت تستعد لزفاف ابنها عبيدة، وتجهز تفاصيل الحناء والفرح، وجدت سماح العرابيد نفسها في مواجهة مسلحة انتهت باستشهادها. ففي اللحظة التي اقتحمت فيها قوة إسرائيلية خاصة المكان، تبدّل المشهد من تحضيرات للزفاف إلى مواجهة مسلحة.
وقد تركت سماح التي تُكنى بـ "أم محمد"، استعداداتها للعرس، وحملت السلاح إلى جانب زوجها معين العرابيد، الذي حاول التصدي للقوة المتسللة، قبل أن ترتقي شهيدة خلال الاشتباك. هذه المفارقة حضرت بقوة في منشورات ناشطي مواقع التواصل، الذين رثوا "أم محمد" واستعادوا قصتها، محولين تفاصيل يومها الأخير إلى حكاية عن الفقد والشجاعة.
هكذا، كما يروي الناشط أحمد أبو العمرين، تحوّلت حكاية أم العريس من انتظار زفاف ابنها إلى مأساة فقدانها في اليوم نفسه الذي كانت تستعد فيه للاحتفال به.
ويكتب أبو العمرين عبر صفحته على "فيسبوك" أن سماح "تركت الحناء جانبًا، وحملت السلاح"، في صورة تختصر المفارقة القاسية التي باتت تحاصر تفاصيل الحياة الفلسطينية في غزة، حيث يمكن أن ينقلب الفرح في لحظة إلى مأتم، وتتحول الاستعدادات لعرس إلى مراسم تشييع.
وتداول ناشطون روايات متعددة عن اللحظات الأخيرة لسماح، فيما ركزت معظم المنشورات على وقوفها إلى جانب زوجها أثناء الاشتباك، وعلى مشاركتها في مواجهة القوة الإسرائيلية التي اقتحمت المكان.
ويقول الناشط محمد الشريف إن ما جرى يكشف جانبًا من قدرة الفلسطينيين على التمسك بأسرهم والدفاع عنها في أصعب الظروف، معتبرًا أن قصة سماح تختزل مأساة عائلة حُرم أفرادها من أبسط مظاهر الفرح.
أما الناشط محمود حامد العيلة، فركز على المواجهة التي خاضها زوجها معين العرابيد، مشيرًا إلى أنه اشتبك مع القوة الإسرائيلية قبل إصابته واعتقاله، بينما كانت زوجته إلى جانبه.
وبحسب ما أورده العيلة، فإن سماح لم تتراجع أمام القوة المقتحمة، بل شاركت في الاشتباك دفاعًا عن أسرتها، قبل أن تستشهد هي وابنتها.
ولم يتوقف الناشطون عند لحظة استشهادها، بل استعادوا صورة "أم العريس" التي كان يفترض أن تنشغل في تلك الساعات بتفاصيل الفرح، وتستقبل المهنئات، وتشارك ابنها عبيدة لحظات طال انتظارها.
الناشط وائل هلال كتب أن سماح كانت "تجهز لعرس ابنها"، قبل أن تترك الحناء وتحمل السلاح وتشتبك دفاعًا عن زوجها، في تعبير وجد صداه لدى كثيرين ممن أعادوا نشر قصتها.
وفي منشور آخر، استعاد وسيم سعد قزيل صورة يد سماح، باعتبارها اليد التي حملت السلاح في اللحظات الأخيرة من حياتها، وكتب أن هذه اليد التي كانت تستعد لفرح ابنها أصبحت جزءًا من قصة أخرى، عنوانها الفقد والمواجهة.
وتحضر في التعليقات المتداولة صورة المرأة الفلسطينية التي تقف إلى جانب عائلتها في لحظة الخطر، لكن قصة سماح تكتسب خصوصية إضافية من التوقيت: امرأة كانت تستعد لزفاف ابنها، فإذا بها تغادر إلى الموت بدل أن تقوده إلى عرسه.
ومن هذه المفارقة تحديدًا استمدت قصتها حضورها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالناشطون لم يروا في سماح مجرد ضحية جديدة للقصف والاشتباكات، بل أمًا اختُطف منها الفرح قبل أن يكتمل، وتحولت ليلة كان يفترض أن تُزف فيها التهاني إلى يوم تُزف فيه هي إلى مثواها الأخير.
وكتب حساب يحمل اسم "بنت الجزاير" على موقع "أكس": "ارتقت أم محمد، سماح الخالدي، وهي مشتبكةٌ تطلق النار دفاعًا عن زوجها العرابيد، الذي اعتُقل خلال مهمة اليوم.. للهِ دَرُّ نسائكِ يا غزة.. ما أعظمهنَّ حين يشتدُّ الخطب، رحم الله سماح، وتقبَّلها في عليِّين، وحفظ نساء غزة اللواتي ما عرفنَ يومًا إلا أن يكنَّ بحجم الوطن".
ورغم اختلاف العبارات بين ناشط وآخر، فإن القاسم المشترك في رواياتهم كان واضحًا: سماح العرابيد كانت أمًا تستعد لفرح ابنها، وانتهت قصتها شهيدة في مواجهة مسلحة، لتترك خلفها عائلةً فقدت أمّها في لحظة كان يفترض أن تحتفل فيها بالحياة.
وإذا كان ابنها عبيدة ينتظر يوم زفافه، فإن هذا اليوم سيحمل له ولعائلته ذاكرة مختلفة إلى الأبد؛ إذ ستظل تفاصيل الحناء التي لم تكتمل، والفرح الذي لم يتم، مرتبطة باسم والدته التي غابت عن المشهد، وبقيت قصتها حاضرة في ذاكرة من تابعوا حكايتها عبر مواقع التواصل.