مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

تأخر اللجنة الوطنية لإدارة غزة يفاقم الأزمات الخدمية ويُبقي آلاف الملفات معلقة

الرسالة نت - خاص

بعد أكثر من يتة أشهر على تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ما تزال هذه الهيئة التي كان يُعوّل عليها لقيادة المرحلة الانتقالية وإدارة الشؤون المدنية والخدمية في القطاع عاجزة عن مباشرة مهامها من الداخل، وسط تحذيرات من تداعيات متزايدة على المؤسسات الحكومية والخدمات العامة وحقوق الموظفين والمواطنين.
وتُعد اللجنة الوطنية لإدارة غزة هيئة غير سياسية معنية بإدارة شؤون الخدمة المدنية اليومية، وتشكلت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803، وتضم 15 شخصية فلسطينية وطنية برئاسة علي شعث، فيما بدأت أعمالها من القاهرة منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، دون أن تتمكن من الانتقال إلى القطاع بسبب استمرار العراقيل التي تحول دون دخولها.
غياب المرجعية
ويرى مستشار الإعلام الحكومي الدكتور تيسير محيسن أن كل يوم إضافي من تأخر اللجنة يعني مزيداً من التعقيد في إدارة الشأن العام في قطاع غزة، مشيراً إلى أن اللجنة باتت المرجعية القانونية والإدارية المتوافق عليها لإدارة القطاع خلال المرحلة الحالية.
ويقول محيسن (للرسالة نت) إن اللجنة كان يفترض أن تتسلم مهامها منذ نحو سبعة أشهر من المؤسسات والوزارات القائمة التي تدير الواقع اليومي في غزة، موضحاً أن غيابها أبقى هذه المؤسسات تعمل في ظروف استثنائية وبصلاحيات محدودة، في ظل عدم وجود غطاء قانوني وإداري يمنحها القدرة الكاملة على أداء مهامها.
وأضاف أن المؤسسات الحكومية الحالية تواصل تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، لكنها تواجه قيوداً كبيرة نتيجة عدم تمتعها باعتراف دولي أو مرجعية قادرة على منحها الشرعية الإدارية اللازمة، الأمر الذي ينعكس على قدرة الوزارات والهيئات المختلفة على الاستجابة الكاملة لاحتياجات السكان.
وأكد أن التأثير لا يقتصر على الأداء الحكومي فقط، بل يمتد إلى حقوق المواطنين اليومية، موضحاً أن العديد من المعاملات المرتبطة بالوثائق الرسمية والخدمات الإدارية تواجه عقبات كبيرة. وضرب مثالاً بذلك معاناة المواطنين في استخدام بعض الوثائق الصادرة عن المؤسسات الرسمية، وما يترتب على ذلك من صعوبات في إنجاز المعاملات المالية والاقتصادية.
وأشار محيسن إلى أن البلديات والمؤسسات الخدمية الأخرى تعاني بدورها من غياب المرجعية القانونية التي تمكنها من الحصول على دعم خارجي أو تنفيذ مشاريع تطويرية بالشكل المطلوب، ما يحد من قدرتها على تحسين الخدمات المقدمة للسكان في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
كما لفت إلى أن تداعيات غياب اللجنة تنعكس على قطاعات التعليم والسفر والخدمات الإنسانية، موضحاً أن آلاف الطلبة الذين يسعون لاستكمال تعليمهم في الخارج، إضافة إلى المرضى وأصحاب الاحتياجات الإنسانية، يواجهون تحديات متزايدة في ظل غياب جهة معترف بها قادرة على متابعة هذه الملفات وتمثيل القطاع أمام الجهات المختلفة.
وأضاف أن القطاع الاقتصادي والتجاري ليس بمنأى عن هذه التداعيات، إذ يواجه التجار وأصحاب الأعمال صعوبات متراكمة في تسيير أعمالهم والحصول على التسهيلات اللازمة، ما يفاقم حالة الركود الاقتصادي التي يعيشها القطاع.
حقوق الموظفين بين التجميد والقلق
وعلى المستوى الوظيفي، يؤكد نقيب الموظفين العموميين خليل حمادة أن تأخر اللجنة تسبب في حالة من الفراغ الإداري الخطير، انعكست بصورة مباشرة على أوضاع الموظفين وحقوقهم.
وقال حمادة إن وجود سلطة إدارية واضحة تمتلك صلاحيات قانونية كاملة يعد ضرورة لاستقرار أي مجتمع، مشيراً إلى أن غياب هذه المرجعية يفتح الباب أمام تعطّل الكثير من الملفات الإدارية والمالية ويؤثر على انتظام العمل المؤسسي.
وأوضح أن أكثر من 45 ألف موظف حكومي في قطاع غزة يعيشون حالة من القلق بشأن مستقبلهم الوظيفي والمالي، في ظل غياب رؤية واضحة حول مصير رواتبهم ومستحقاتهم وترقياتهم وحقوقهم الوظيفية المختلفة.
وأضاف أن الرواتب التي يتلقاها الموظفون تراجعت بصورة كبيرة خلال الحرب، وباتت تصرف على فترات متباعدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر، وبمبالغ محدودة لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية، ما فاقم من معاناة الموظفين وأسرهم.
ورغم ذلك، يشير حمادة إلى أن قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم ما زالت تواصل العمل منذ بداية الحرب وحتى اليوم، مؤكداً أن آلاف الموظفين يواصلون أداء واجباتهم لضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين رغم الظروف الصعبة.
وبيّن أن البيانات الوظيفية والسجلات الإدارية للموظفين ما زالت محفوظة داخل المؤسسات الحكومية ولم تُفقد، إلا أن غياب اللجنة أدى إلى تجميد ملفات أساسية تتعلق بالترقيات والتقييمات الوظيفية والتقاعد والمستحقات المالية وسائر الحقوق الإدارية.
وأكد أن الموظفين بحاجة إلى جهة قادرة على تفعيل هذه الملفات وحماية حقوقهم وتقديم تطمينات حقيقية بشأن مستقبلهم، مشدداً على ضرورة أن تكون اللجنة أكثر حضوراً وانخراطاً في قضايا المواطنين والموظفين بمجرد تمكنها من مباشرة أعمالها.
ووافقه الرأي  محيسن الذي أكد أن حقوق آلاف الموظفين ما زالت معلقة، سواء فيما يتعلق بالمستحقات المالية أو الترقيات والدرجات الوظيفية وسائر الحقوق الإدارية، نتيجة غياب مرجعية قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة وإنفاذها بشكل رسمي.
وبيّن أن المؤسسات القائمة حالياً تركز على الحفاظ على الحد الأدنى من الهيكل الإداري والتنظيمي القائم وضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية، إلا أن تطوير الأداء المؤسسي ومعالجة الملفات العالقة يتطلبان وجود مرجعية إدارية معترف بها وقادرة على ممارسة صلاحياتها بشكل كامل
وفي الوقت ذاته، حذر حمادة من أي محاولات لتجاوز حقوق الموظفين أو الالتفاف عليها، مؤكداً أن موظفي غزة منفتحون على الحوار والتعاون مع اللجنة الوطنية، لكنهم يتمسكون بحقوقهم الوظيفية والإدارية التي لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها.
ملفات معلقة بانتظار الحسم
ومنذ إعلان تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في 14 يناير/كانون الثاني 2026، اقتصرت أعمالها على الاجتماعات التحضيرية والتنسيقية من القاهرة، حيث عقدت اجتماعها التأسيسي الأول في 16 يناير وأقرت هيكلها الإداري وآليات عملها وأولوياتها المتعلقة بإدارة الشؤون المدنية واستعادة الخدمات الأساسية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.
لكن استمرار عدم تمكنها من العمل ميدانياً داخل القطاع أبقى عشرات الملفات الحيوية معلقة، بدءاً من تنظيم عمل المؤسسات الحكومية وتثبيت حقوق الموظفين، مروراً بتحسين الخدمات العامة وتسهيل حياة المواطنين، وصولاً إلى قيادة جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التأخير إلى مزيد من التدهور في أداء المؤسسات والخدمات، بينما يبقى المواطن الفلسطيني في قطاع غزة المتضرر الأول من استمرار غياب المرجعية الإدارية القادرة على إدارة هذه الملفات ومعالجتها.

بث مباشر