لم يكن خبر اعتقال الطبيب الفلسطيني مازن الرنتيسي مجرد نبأ عن مداهمة منزل واعتقال أحد سكانه، بل كان صدمة لآلاف المرضى الذين اعتادوا أن يجدوا في هاتفه ردًا، وفي عيادته بابًا مفتوحًا، وفي كلمته الأخيرة دائمًا: "ألف سلامة عليك".
فجر 22 يونيو/حزيران 2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل الدكتور الرنتيسي في حي الطيرة بمدينة رام الله قرابة الساعة الثالثة صباحًا، بمشاركة عناصر من الشرطة وحرس الحدود، بعضهم كان ملثمًا، وأخرجته من غرفة نومه قبل أن تعتقله دون إبلاغ عائلته بسبب الاعتقال أو الجهة التي نُقل إليها.
وقالت زوجته ماريا سوليداد إن قوات الاحتلال أجرت تفتيشًا للمنزل قبل اقتياده، مؤكدة أن العائلة لم تتلقَّ أي توضيحات بشأن أسباب الاعتقال، كما مُنع من لقاء محاميه خلال الأيام الأولى لاحتجازه، الأمر الذي أثار مخاوف العائلة بشأن وضعه القانوني والصحي.
وحتى الآن، لم تصدر سلطات الاحتلال أي بيان رسمي يوضح سبب اعتقال الدكتور الرنتيسي أو التهم الموجهة إليه. إلا أن تقارير صحفية إسرائيلية أشارت إلى أن القضية قد تكون مرتبطة برئاسته لمجلس إدارة اتحاد لجان العمل الصحي، وهي مؤسسة فلسطينية تقدم خدمات الرعاية الصحية في الضفة الغربية، وكانت سلطات الاحتلال قد صنفتها سابقًا ضمن المؤسسات المحظورة، بينما تؤكد المؤسسة أن عملها طبي وإنساني بحت وتنفي الاتهامات الموجهة إليها.
ولسنوات طويلة، ارتبط اسم الرنتيسي بلقب "طبيب الغلابة" أو "طبيب الفقراء"، وهو لقب لم تمنحه له مؤسسة أو جائزة، بل منحه له آلاف المرضى الذين وجدوا فيه طبيبًا يضع الإنسان قبل المقابل المادي.
وينحدر الدكتور مازن الرنتيسي من بلدة رنتيس شمال غربي رام الله، ويعمل طبيبًا عامًا في المدينة منذ سنوات، حيث تحولت عيادته إلى مقصد للمرضى من مختلف محافظات الضفة الغربية، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود.
لم يكن الكشف الطبي في عيادته يشكل عائقًا أمام أحد؛ فقد اشتهر بتقاضي رسوم رمزية، بينما كان يعفي كثيرًا من المرضى غير القادرين، وعائلات الشهداء والجرحى والأسرى، من أجرة الكشف والعلاج، مؤمنًا بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة.
ولم تتوقف خدماته عند أبواب العيادة، إذ كان يخصص جزءًا كبيرًا من وقته للرد على اتصالات المرضى ورسائلهم عبر الهاتف ووسائل التواصل، حتى في ساعات متأخرة من الليل، مقدمًا النصائح الطبية مجانًا، ومختتمًا معظم رسائله بعبارة أصبحت علامة مميزة له: "ألف سلامة عليك".
ومع انتشار خبر اعتقاله، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بشهادات مرضى رووا مواقف إنسانية جمعته بهم؛ فمنهم من قال إنه رفض تقاضي أجر الكشف، وآخرون تحدثوا عن مساعدته في توفير الأدوية أو متابعته لحالتهم الصحية لأيام دون مقابل، بينما وصفه كثيرون بأنه "طبيب الفقراء" الذي لم يغلق بابه يومًا في وجه محتاج.
وطالبت عائلة الدكتور الرنتيسي بالإفراج الفوري عنه، معتبرة أن اعتقاله إجراء تعسفي بحق طبيب كرّس حياته لخدمة المرضى، فيما دعا ناشطون ومؤسسات حقوقية إلى ضمان حقه في التواصل مع محاميه ومعرفة مكان احتجازه، واحترام الحماية التي يكفلها القانون الدولي للعاملين في القطاع الصحي.
وبين جدران السجن، يغيب الطبيب الذي اعتاد أن يخفف آلام الآخرين، فيما يبقى آلاف المرضى بانتظار عودته، وبانتظار تلك العبارة التي طالما منحتهم الطمأنينة قبل الدواء: "ألف سلامة عليك".