قائمة الموقع

نائلة مريش .. حياة معلقة بتصريح السفر بينما يقيد الشلل جسدها

2026-06-28T08:25:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم تعد نائلة مريش تعرف عمرها الحقيقي. ففي بطاقة هويتها ما زالت ابنة الثالثة والعشرين، لكن الحرب، كما تقول، جعلتها تشعر بأنها عاشت عشرات السنين في أقل من عامين.
"منذ نزحت من بيتي، لم أعد أحسب الزمن بالأيام أو الشهور، بل بالأوجاع والخسارات"، تقول نائلة وهي تستعيد رحلة نزوح طويلة بدأت من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، مرورًا بالمدارس والمستشفيات والخيام، وانتهاءً بمراكز الإيواء التي لم تمنحها سوى هدنة قصيرة قبل أن تعود الطائرات لتطاردها من جديد.
في إحدى ليالي النزوح، نصبت العائلة خيمتها من بقايا الأقمشة والملابس والكرتون، على أمل أن توفر لهم شيئًا من الستر والأمان. لكن القصف باغتهم قبل أن يمنحهم فرصة للحلم. استهدفت الغارة الخيمة المجاورة، ثم امتدت شظاياها إلى خيمتهم، فاستشهد شقيقاها، بينما أصيبت نائلة وابنتها بجروح بالغة أفقدتها القدرة على المشي لأكثر من ستة أشهر.
بعد رحلة علاج شاقة، استعادت القدرة على الوقوف، وعادت مع عائلتها إلى شمال غزة عقب إعلان هدنة مؤقتة، لكنها لم تجد سوى مدينة مدمرة بالكامل، حيث اختفت معالم الحي الذي نشأت فيه، وتحولت البيوت إلى أكوام من الركام.
لم يدم الاستقرار طويلًا، إذ انهارت الهدنة، واضطرت العائلة إلى النزوح مرة أخرى نحو غرب غزة ثم المنطقة الوسطى ودير البلح، حاملة خيمتها التي أصبحت رفيقة ترحالها الدائم.
وسط الجوع وشح الغذاء، بنت والدتها فاتن فرنًا طينيًا صغيرًا، وصارت تخبز ما تيسر من الدقيق، وتعد مناقيش الزعتر لتخفف عن أفراد الأسرة قسوة الأيام. وكانت تردد دائمًا لابنتها: "إحنا أحسن من غيرنا... وكليها لله"، محاولة أن تزرع في قلبها شيئًا من الصبر والأمل.
وفي صباح بدا مختلفًا، استيقظت الأم وهي تشعر بسعادة غامرة، وأعلنت أنها ستعد مناقيش الزعتر للعائلة. جلست الأم وابنتها أمام الفرن الطيني، تضحكان وتتبادلان الأحاديث، قبل أن يقطع صاروخ إسرائيلي تلك اللحظة.
استشهدت فاتن على الفور، بينما أصيبت نائلة إصابة مباشرة في العمود الفقري والنخاع الشوكي، أدت إلى إصابتها بشلل نصفي دائم، أنهى قدرتها على الحركة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت نائلة أسيرة سريرها، تنتظر دورها على قوائم السفر للعلاج خارج قطاع غزة، دون أن تعرف متى يحين الموعد، أو إن كان سيأتي أصلًا.
تقول بصوت يختلط فيه الألم بالأمل: "لا أجرؤ على النظر إلى المرآة... أخشى أن تخبرني أنني أصبحت عجوزًا، رغم أن عمري ما زال ثلاثة وعشرين عامًا".
وتختصر نائلة حكاية آلاف الجرحى الفلسطينيين الذين خلفتهم الحرب، أولئك الذين نجوا من الموت، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين بين الإعاقة الدائمة، وانهيار المنظومة الصحية، وطوابير الانتظار الطويلة للسفر والعلاج، في وقت يهدد فيه استمرار إغلاق المعابر ونقص الإمكانات الطبية بتحويل إصابات قابلة للعلاج إلى إعاقات لا رجعة فيها.

اخبار ذات صلة