لم يكن عماد راجح سرحان ينتظر حريته، فقد كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد منذ اعتقاله في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2001. لكن أحدًا لم يتوقع أن تنتهي خمسة وعشرون عامًا خلف القضبان بوفاته داخل زنزانة في سجن جلبوع، بعد رحلة طويلة من المرض والإهمال الطبي، ليضاف اسمه إلى قائمة شهداء الحركة الأسيرة التي تتسع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في 14 حزيران/يونيو 2026، أبلغت سلطات الاحتلال عائلته بوفاته، مدعية أنه أصيب بنوبة قلبية. غير أن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني حمّلتا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استشهاده، مؤكدتين أن سنوات الاعتقال الطويلة، وما تعرض له من تعذيب أثناء التحقيق، ثم الإهمال الطبي المتواصل، قادت إلى هذه النهاية.
كان سرحان، وهو من مدينة حيفا، يعاني أمراضًا مزمنة في القلب والشرايين وارتفاعًا في ضغط الدم، وتدهورت حالته الصحية حتى أصبح يستخدم كرسيًا متحركًا داخل السجن، دون أن يتلقى العلاج اللازم. و قصته جزء من واقع أشمل يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين.
فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت السجون الإسرائيلية تحولًا غير مسبوق في ظروف الاحتجاز. أُغلقت أبواب الزيارات العائلية لأشهر طويلة، وحُرم آلاف الأسرى من التواصل مع ذويهم، فيما مُنعت في كثير من الفترات حتى زيارات المحامين. كما تقلصت كميات الطعام إلى حد دفع الأسرى للحديث عن سياسة تجويع ممنهجة أدت إلى فقدان كثيرين عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم، في وقت انتشرت فيه الأمراض الجلدية والمعوية وأمراض الجهاز التنفسي نتيجة الاكتظاظ وانعدام النظافة وحرمان الأسرى من مستلزمات النظافة الشخصية.
ولم تتوقف الإجراءات عند التجويع، بل شملت العزل الانفرادي لفترات طويلة، واقتحامات متكررة للأقسام، وعمليات تفتيش عنيفة، والاعتداء بالضرب والكلاب البوليسية والقيود، إضافة إلى تكبيل الأسرى المرضى أثناء نقلهم إلى المستشفيات أو حرمانهم من العلاج أصلًا. كما وثقت مؤسسات حقوقية شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة والإذلال والحرمان من النوم، وهي ممارسات قالت إنها أصبحت أكثر قسوة واتساعًا منذ اندلاع الحرب.
وفي ظل هذه الظروف، لم يعد المرض وحده يهدد حياة الأسرى، بل أصبحت الزنزانة نفسها بيئة تنتج الموت البطيء. فالأسرى الذين يدخلون السجون بأجساد سليمة، يخرج كثير منهم بأمراض مزمنة أو إعاقات دائمة، بينما لا يخرج آخرون إلا جثامين.
استشهاد عماد سرحان جاء امتدادًا لسلسلة متصاعدة من الوفيات داخل السجون. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتقى نحو 90 أسيرًا ممن عُرفت هوياتهم، في أعلى حصيلة خلال هذه الفترة منذ عقود، بينهم ثائر أبو عصب، ووليد دقة، وعرفات حمدان، ورائد أبو الحمص، وآخرون قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي أو ظروف الاحتجاز القاسية. كما ارتفع إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 327 شهيدًا، فيما لا يزال أكثر من 9400 فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، بينهم آلاف المرضى وأكثر من 3300 معتقل إداري محتجزين دون تهمة أو محاكمة.
لم يمت عماد سرحان في لحظة واحدة. فقد بدأ موته يوم اعتُقل، ثم تكرر مع كل جلسة تحقيق، وكل جرعة دواء مُنع عنها، وكل زيارة حُرم منها، وكل ليلة قضاها في زنزانة تضيق بالحياة. وعندما أُعلن نبأ استشهاده، لم يعد السؤال كيف مات، بل: كم أسيرًا آخر يجب أن يفقد حياته حتى يدرك العالم أن السجون لم تعد مجرد أماكن للاعتقال، بل ساحات مفتوحة للموت البطيء؟