لم يكن باب الحرية هو الذي انفتح أمام عماد راجح سرحان بعد نحو خمسة وعشرين عاماً من الأسر، بل باب الموت.
في صباح الأحد، 14 حزيران/يونيو 2026، وصل الخبر الذي طالما خشيته عائلته: استشهد الأسير الفلسطيني عماد سرحان داخل سجن جلبوع الإسرائيلي، بعدما قضى سنوات طويلة يواجه المرض والإهمال الطبي، لتنتهي رحلة بدأت باعتقاله عام 2001، وانتهت داخل زنزانة لم تغادرها عيناه إلا شهيداً.
ولد عماد سرحان في مدينة حيفا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وعاش سنوات شبابه قبل أن تعتقله قوات الاحتلال في أكتوبر/تشرين الأول 2001. وبعد محاكمة عسكرية، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد مدى الحياة، إضافة إلى عشر سنوات، ليبدأ واحدة من أطول سنوات الأسر في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.
داخل السجون، لم تكن العقوبة هي الحرمان من الحرية فقط، بل تحولت سنوات الاعتقال إلى رحلة استنزاف جسدي ونفسي. فقد خضع لتحقيقات قاسية استمرت أكثر من شهرين، تعرض خلالها لأصناف متعددة من التعذيب، ثم تنقل بين السجون والعزل الانفرادي، وحُرم لفترات طويلة من زيارة عائلته.
ومع مرور السنوات، أخذ جسده ينهار تدريجياً. أصيب بأمراض مزمنة في القلب والأوردة والشرايين، إضافة إلى مشكلات في العمود الفقري وارتفاع ضغط الدم، فيما أكدت مؤسسات الأسرى أن إدارة السجون واصلت سياسة الإهمال الطبي رغم التدهور المستمر في حالته الصحية، حتى بات يعتمد على كرسي متحرك للتنقل داخل السجن.
ووفق لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة، فإن الأسير الشهيد تعرض على مدار سنوات اعتقاله لسياسات وصفتها بـ"الوحشية"، شملت التعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي، والحرمان من الزيارات، والعزل الانفرادي، وهي ظروف قالت إنها أسهمت بشكل مباشر في تدهور حالته الصحية.
وفي يوم السبت الذي سبق استشهاده، تعرض عماد سرحان لنوبة قلبية حادة، قبل أن تعلن سلطات الاحتلال في اليوم التالي وفاته داخل سجن جلبوع، من دون تقديم تفاصيل واضحة حول ظروف استشهاده، الأمر الذي دفع هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير إلى تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن وفاته، مؤكدين أن ما جرى يمثل نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من التعذيب والإهمال الطبي الممنهج.
وفي بيان نعي وإدانة، حملت لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية حكومة الاحتلال وإدارة السجون المسؤولية الكاملة عن استشهاده، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية بالتحرك الجاد لإلزام الاحتلال باحترام المواثيق الدولية، ووقف الانتهاكات المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين، وعلى رأسها سياسة الإهمال الطبي والتعذيب والعزل.
كما دعت اللجنة أحرار العالم إلى تحرك عاجل لإنقاذ الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، مؤكدة أن ما يتعرضون له من انتهاكات ممنهجة يخالف القوانين والأعراف الدولية كافة.
وبرحيل عماد سرحان، يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة الفلسطينية إلى 327 شهيداً منذ عام 1967، وفق إحصاءات مؤسسات الأسرى، ليضاف اسمه إلى سجل طويل من الأسرى الذين غادروا السجون شهداء، بعدما تحولت سنوات الاعتقال بالنسبة لهم إلى معركة يومية مع المرض والإهمال.
لم يخرج عماد سرحان إلى مدينته التي غادرها شاباً قبل ربع قرن، ولم يلتقِ أهله خارج أسوار السجن. خرج اسمه هذه المرة محمولاً في بيانات النعي، بعد أن قضى سنوات ينتظر الحرية، لتكون الشهادة هي الطريق الوحيد الذي غادر به زنزانته الأخيرة.
بعد ربع قرن في الأسر.. الإهمال الطبي ينهي حياة الأسير الشهيد عماد سرحان
الرسالة نت-خاص