لم يكن مجد أبو حبيب يعلم أن طريق عودته من المدرسة سيغيّر حياته إلى الأبد. كان يحمل حقيبته الصغيرة، وأحلامه التي لا تتجاوز عمره، حين انفجر جسم من مخلفات الجيش الإسرائيلي، لتشتعل النيران في جسده، وتبدأ رحلة طويلة من الألم لم تنتهِ بخروجه من قطاع غزة.
في لحظات، تحول الطفل الذي كان يحلم بأن يصبح مهندسًا ومخترعًا إلى مريض يرقد في العناية المركزة، بعدما غطت الحروق نحو 40% من جسده. كانت والدته تراقبه وهو يصارع الألم، فيما كان الأطباء يخوضون سباقًا لإنقاذ حياته.
تقول والدته إن مجد لم يكن في ساحة قتال، ولم يحمل سوى حقيبته المدرسية وبراءته. كان يلعب كأي طفل، قبل أن تتحول مخلفات الحرب إلى فخ قاتل سرق منه طفولته، وأدخله في سلسلة طويلة من العمليات الجراحية والعلاج المؤلم.
وبعد حملة من المناشدات، تمكن مجد من السفر إلى خارج قطاع غزة لاستكمال علاجه، لتظن العائلة أن مرحلة الخطر انتهت، وأن الألم سيبدأ بالتراجع. لكن ما حدث كان مختلفًا.
فالجروح التي أصابت جسده بدأت تترك ندوبًا أعمق في روحه. تكشف والدته أن حالته النفسية تدهورت بصورة مقلقة، وأصبح يعيش في عزلة ويأس شديدين، ولم يعد قادرًا على تحمل الألم أو شكل الحروق التي غطت أجزاء واسعة من جسده.
وتقول، بصوت يثقله العجز، إن أصعب ما تسمعه من ابنها ليس صرخاته أثناء تبديل الضمادات، بل كلماته عندما يخبرها بأنه يريد أن ينهي حياته، لأنه لم يعد يحتمل ما يعيشه. تضيف: "كل يوم أحاول أن أزرع فيه الأمل، لكنه يسألني لماذا بقيت حيًا إذا كانت حياتي كلها ألم."
وتؤكد أن ابنها لا يحتاج إلى العلاج الجراحي وحده، بل إلى رعاية نفسية متخصصة تعيده إلى التمسك بالحياة، بعد أن سرقت الحرب منه شعوره بالأمان، وطفولته، وأحلامه البسيطة.
قصة مجد تكشف وجهًا آخر للحرب، لا يظهر في صور الدمار وحدها، بل في الأطفال الذين ينجون بأجساد مثخنة بالحروق، ثم يخوضون معركة أصعب مع الاكتئاب والصدمة واليأس. فالحرب لا تنتهي بخروج الطفل من غرفة العمليات، بل تستمر داخل ذاكرته، وفي كل مرة ينظر فيها إلى جسده، أو يسأل والدته متى يعود كما كان.
ومع استمرار وجود آلاف الأطفال الجرحى في غزة، يحذر مختصون من أن الدعم النفسي أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن العلاج الطبي. فالكثير من الأطفال يحملون جروحًا لا تُرى بالعين، لكنها قد تترك آثارًا تمتد طوال العمر. أما مجد، فما زال ينتظر أن ينجح الأطباء في مداواة جسده، وأن يجد من يداوي أيضًا قلب طفل أنهكته الحرب حتى بات يقاوم، كل يوم، رغبته في الاستمرار بالحياة.