قائمة الموقع

الباحث السياسي "طعمة" لـ"الرسالة نت": نجاح مفاوضات القاهرة يتطلب ضمانات دولية تُلزم إسرائيل بالتنفيذ

2026-06-22T15:32:00+03:00
الرسالة نت - نور الدين جبر

تتواصل في العاصمة المصرية القاهرة جولة جديدة من المفاوضات الرامية لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط جهود مكثفة من الوسطاء الإقليميين والدوليين لإنقاذ المسار التفاوضي المتعثر، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية والسياسية الناجمة عن استمرار الحرب وتداعياتها الكارثية على سكان القطاع.

ورغم الأجواء التي تصفها بعض الأطراف بالإيجابية، إلا أن مراقبين يرون أن نجاح هذه الجولة لا يزال مرهونًا بمدى قدرة الوسطاء على تجاوز العقبات التي أفشلت محاولات سابقة، خاصة في ظل استمرار الخلافات بشأن تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي وشؤون الشرق الأوسط توفيق طعمة، أكد أن متابعة الحوارات الجارية في القاهرة تتم بحذر شديد، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت وجود فجوة كبيرة بين ما يتم الاتفاق عليه على طاولة المفاوضات وما يجري تنفيذه فعليًا على الأرض.

وقال طعمة في حديثه لـ "الرسالة نت" إن ما تشهده القاهرة يمثل محاولة جديدة لإنقاذ مسار الاتفاق، إلا أن نجاحها يتطلب توفير ضمانات حقيقية تلزم "إسرائيل" بتنفيذ ما يتم التوصل إليه، وعدم الاكتفاء بتفاهمات سياسية قابلة للتراجع أو إعادة التفسير وفق المتغيرات السياسية والعسكرية.

ويرى طعمة أن إمكانية التوصل إلى صيغة تضمن تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية ما تزال قائمة، لكنها ترتبط بشكل أساسي بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية، إلى جانب ضغوط أمريكية ودولية جادة تدفع نحو الالتزام بالتفاهمات المبرمة.

ويضيف أن المشكلة الأساسية لا تكمن في صياغة الاتفاقات، وإنما في آليات التنفيذ والرقابة، إذ إن العديد من الاتفاقات السابقة تعثرت نتيجة غياب الضمانات الكفيلة بمنع تعطيلها أو الالتفاف عليها.

وفي تقييمه لأسباب تعثر الاتفاق خلال الفترات الماضية، يحمل طعمة "إسرائيل" مسؤولية رئيسية عن حالة الجمود التي أصابت المسار التفاوضي، موضحًا أن عدم الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، واستمرار العمليات العسكرية، وتأخير إدخال المساعدات الإنسانية، وربط تنفيذ الالتزامات بشروط إضافية، كلها عوامل ساهمت في إعاقة تنفيذ ما تم التوافق عليه.

ضمانات تنفيذية حقيقية

وحول الطروحات المتداولة بشأن ما يعرف بخطة ميلادنيوف، يرى طعمة أن أي مبادرة لا يمكن أن تحقق نجاحًا حقيقيًا إذا اقتصرت على الجوانب الإنسانية أو الأمنية دون معالجة جذور الأزمة السياسية. ويؤكد أن المطلوب لا يقتصر على إدارة الأزمة أو تخفيف آثارها، بل الوصول إلى ترتيبات تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتخفيف معاناة المدنيين، ووضع أسس واضحة لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

وتبرز في هذا السياق أهمية الدور الذي تلعبه الدول والجهات الوسيطة، حيث يؤكد طعمة أن الوسطاء نجحوا خلال الأشهر الماضية في الحفاظ على قنوات الاتصال بين الأطراف المختلفة، إلا أن المرحلة الراهنة تتطلب دورًا أكثر فاعلية يتجاوز مجرد نقل الرسائل والمواقف.

ويشير إلى أن المطلوب حاليًا يتمثل في توفير ضمانات تنفيذية حقيقية، ووضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات، وإنشاء آلية رقابة دولية تحول دون تنصل أي طرف من تعهداته، إضافة إلى ممارسة ضغوط فعلية على الجهات التي تعرقل تنفيذ الاتفاق.

وفي ظل النقاشات المتعلقة بربط بعض الملفات الإنسانية بالقضايا الأمنية، يرفض طعمة ربط إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بأي شروط سياسية أو أمنية، مؤكدًا أن المساعدات حق إنساني لا يجوز استخدامه كورقة ضغط أو أداة تفاوض.

ويشدد على أن الملفات المتعلقة بالسلاح والترتيبات الأمنية تعد من أكثر القضايا تعقيدًا، وينبغي التعامل معها ضمن إطار تسوية سياسية شاملة، وليس من خلال ربطها بالاحتياجات الإنسانية العاجلة لملايين الفلسطينيين في قطاع غزة.

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، يلفت طعمة إلى أن الولايات المتحدة ما تزال الطرف الأكثر تأثيرًا في هذا الملف بحكم علاقاتها الوثيقة بـ"إسرائيل" وقدرتها على ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي عند توفر الإرادة اللازمة لذلك.

ويقول إن واشنطن ما زالت تتعامل مع الأزمة من منطلق إدارة الصراع أكثر من السعي إلى حله بصورة نهائية، معتبرًا أن الجهود الأمريكية لم تنجح حتى الآن في إلزام "إسرائيل" بتنفيذ كامل التزاماتها المتعلقة بوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وتنفيذ باقي البنود المتفق عليها.

ويؤكد أن نجاح أي اتفاق مستقبلي يتطلب انتقال الولايات المتحدة من دور الوسيط السياسي إلى دور الضامن الفعلي للتنفيذ، بحيث تتعامل مع جميع بنود الاتفاق بالقدر نفسه من الجدية، سواء ما يتعلق بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات أو قضايا الأسرى أو الترتيبات اللاحقة للحرب.

غزة في المشهد الدولي

وفي سياق متصل، يربط مراقبون بين تطورات المشهد في غزة ومسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي دخلت خلال الفترة الأخيرة مرحلة أكثر جدية مقارنة بالأشهر الماضية، وسط حديث عن خارطة طريق تمتد لنحو ستين يومًا لاستكمال التفاهمات المتعلقة بالملفات العالقة.

ويرى طعمة أن هذه المفاوضات لا تجعل من غزة محورًا مباشرًا للنقاش، إلا أن القطاع يبقى حاضرًا بصورة غير مباشرة في الحسابات الإقليمية والدولية، خاصة أن أي مشروع للاستقرار الإقليمي لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار الحرب وتداعياتها.

ويعتقد أن أي تقدم في العلاقات الأمريكية الإيرانية قد ينعكس إيجابًا على أجواء التهدئة في المنطقة، بما في ذلك قطاع غزة، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلًا عن مفاوضات مباشرة ومستقلة تعالج الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية.

ومع استمرار الجهود الدبلوماسية وتكثيف الاتصالات بين مختلف الأطراف، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق جديد قائمة، غير أن نجاحه سيظل مرتبطًا بمدى توفر الإرادة السياسية والضمانات الدولية القادرة على تحويل التفاهمات المكتوبة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، بما يفتح الباب أمام إنهاء الحرب في غزة ويضع حدًا لإحدى أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة.

اخبار ذات صلة