لم تقتصر حرب الإبادة على قطاع غزة على استهداف البشر والحجر، بل امتدت إلى استهداف الذاكرة الثقافية الفلسطينية، بعدما فقدت الساحة الأدبية عشرات الكتّاب والشعراء والروائيين والمفكرين الذين قضوا في الغارات الإسرائيلية، في واحدة من أكبر الخسائر التي لحقت بالمشهد الثقافي الفلسطيني في تاريخه الحديث.
وتشير بيانات وزارة الثقافة الفلسطينية، ورصدات ثقافية مستقلة، إلى استشهاد ما لا يقل عن 118 كاتبًا ومثقفًا منذ بدء الحرب، إلى جانب تدمير عشرات المؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر والمتاحف والمواقع الأثرية، في ما يصفه مثقفون فلسطينيون بأنه "إبادة ثقافية" موازية للإبادة البشرية.
ومن أبرز الأدباء الذين قضوا خلال الحرب، الشاعر والأكاديمي رفعت العرعير، أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة الإسلامية بغزة، الذي عُرف عالميًا بقصيدته "إذا كان لا بد أن أموت"، والتي تحولت بعد استشهاده في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى واحدة من أشهر القصائد الفلسطينية المعاصرة، وترجمت إلى عشرات اللغات. وكان العرعير من أبرز الأصوات التي نقلت الرواية الفلسطينية إلى العالم عبر الأدب والترجمة والتعليم.
كما استشهدت الروائية والشاعرة هبة أبو ندى، صاحبة رواية "الأكسجين ليس للموتى"، الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي، إثر قصف استهدف المنزل الذي نزحت إليه في خانيونس في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبرحيلها خسرت فلسطين واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الشابة التي جمعت بين الشعر والرواية والعمل الثقافي.
وفي الأيام الأولى للحرب، استشهد الشاعر والروائي والصحفي عمر أبو شاويش، الذي عرف بإنتاجه الأدبي ونشاطه الثقافي والاجتماعي في مخيم النصيرات، ليكون من أوائل الأدباء الذين فقدتهم غزة مع بداية العدوان.
كما شملت قائمة الضحايا عددًا من الكتّاب والمثقفين، من بينهم الكاتب والشاعر محمد أحمد قشطة، والكاتب عبد الكريم أبو شمالة، والباحث يوسف القدرة، إضافة إلى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، الذي خلّف عشرات المؤلفات والدراسات قبل استشهاده مع أفراد من عائلته.
ولم تتوقف الخسارة عند استشهاد المبدعين، بل امتدت إلى تدمير البنية التحتية للثقافة الفلسطينية. فقد وثقت وزارة الثقافة تدمير 30 مؤسسة ثقافية، و25 مركزًا وجمعية ثقافية، و87 مكتبة، و8 دور نشر ومطابع، إضافة إلى تدمير نحو 200 موقع أثري وتراثي، وآلاف المقتنيات التراثية، ما أدى إلى فقدان جزء مهم من الذاكرة الثقافية الفلسطينية.
ويرى كتّاب وباحثون أن استهداف الأدباء والمثقفين، بالتوازي مع تدمير المؤسسات الثقافية، لا يمثل مجرد خسائر فردية، بل يطال الرواية الفلسطينية نفسها، في محاولة لإسكات الأصوات التي توثق الحياة والهوية والذاكرة، وحرمان الأجيال القادمة من إرثها الثقافي.
ورغم رحيل أصحاب الكلمة، بقيت أعمالهم شاهدة على مرحلة فارقة من التاريخ الفلسطيني، وتحولت قصائدهم ورواياتهم وشهاداتهم إلى وثائق إنسانية تحفظ ذاكرة شعب يواصل كتابة حكايته، حتى تحت القصف.
أدباء غزة.. حين أصبحت الكلمة هدفًا للقصف
الرسالة نت-خاص