مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

من العرس إلى خزان المياه.. لماذا أصبح الشباب هدفًا في غزة؟

الرسالة نت-متابعة

لم يعد الموت في غزة ينتظر من يحمل السلاح، أو يقف في ساحة قتال. بات يترصد الشباب وهم يمارسون أكثر تفاصيل حياتهم اعتيادية؛ في طريقهم إلى العمل، أو وهم يستعدون للزفاف، أو حتى أثناء صعودهم إلى سطح المنزل لتعبئة خزان المياه.
خلال الأشهر الأخيرة، تكررت مشاهد متشابهة، لكنها تحمل أسماء مختلفة. شباب في مقتبل العمر، يحاولون التمسك بما تبقى من حياة طبيعية وسط الحرب، قبل أن تنتهي حياتهم في لحظات.
في السادس من يونيو، كان مهند عثمان ياسين فروانة يستعد لارتداء بدلة زفافه. لم يكن يفصله عن عروسه سوى ساعات قليلة، لكن غارة إسرائيلية أنهت حياته قبل أن تبدأ حياته الزوجية، وتحول الفرح الذي انتظرته العائلتان إلى جنازة.
وفي مخيم النصيرات، لم يكن صالح رمضان خليفة في موقع قتال، بل داخل خيمة خياطة أقامها أمام مدرسة الرازي ليكسب قوت أسرته. لم يحمل سوى أدوات مهنته، لكنه قُتل أثناء عمله، لتغلق ماكينة الخياطة إلى الأبد.
وفي حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، صعد الممرض محمد الهبيل برفقة نجله موسى إلى سطح المنزل لتعبئة خزانات المياه، وهي مهمة أصبحت جزءًا من الروتين اليومي في ظل أزمة المياه الخانقة. لم يعودا من السطح؛ إذ قُتلا معًا، بينما كانا يحاولان توفير الماء لعائلتهما.
أما في وادي السلقا جنوب شرقي دير البلح، خرج الطفل ريان بهاء أبو العجين مع والده، قبل أن يتعرضا لإطلاق نار. أُصيب الأب، واستشهد الطفل بعد ساعات، في حادثة أعادت التأكيد على أن مجرد الخروج لقضاء احتياجات الحياة اليومية قد يتحول إلى رحلة بلا عودة.
وفي الزوايدة، كانت نادية كمال عياش واحدة من المدنيين الذين قُتلوا قرب منزلها، في سياق يتكرر فيه سقوط الضحايا بعيدًا عن خطوط المواجهة المباشرة.
استهداف يتجاوز الأفراد
لا تبدو هذه الوقائع، بالنسبة لكثير من المراقبين، مجرد حوادث متفرقة. فالجامع بينها ليس المكان أو الزمان، وإنما طبيعة الضحايا أنفسهم؛ شباب وأفراد من الأسر كانوا يمارسون أعمالًا مدنية بحتة. وهذا يطرح تساؤلًا حول الرسالة التي يتركها هذا النمط من الاستهداف داخل المجتمع.
فالشباب هم الفئة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج وإعالة أسرهم، وهم أيضًا العمود الفقري لأي عملية تعافٍ بعد الحرب. وعندما يُقتل العريس قبل أن يبدأ حياته، والخياط أثناء عمله، والممرض وهو يوفر الماء لأسرته، فإن الخسارة لا تقتصر على أفراد، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله الذي يفقد جزءًا من طاقته البشرية وقدرته على النهوض.
كما أن استهداف الأشخاص أثناء ممارسة حياتهم اليومية يخلق أثرًا نفسيًا عميقًا. فحين يصبح الذهاب إلى العمل، أو الصعود إلى سطح المنزل، أو التحضير للزفاف، أو الخروج مع الابن لإحضار الماء، أفعالًا قد تنتهي بالموت، فإن الشعور بالأمان يتآكل بالكامل، وتتحول الحياة اليومية نفسها إلى ساحة خوف دائمة.
ويشير باحثون في شؤون النزاعات إلى أن الحروب لا تستهدف البنية التحتية فقط، بل قد تؤدي أيضًا إلى تفكيك البنية الاجتماعية وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود. وفي الحالة الفلسطينية، فإن استمرار سقوط الشباب في ظروف حياتية اعتيادية يعني خسارة متراكمة للفئة الأكثر إنتاجًا، والأكثر قدرة على إعالة العائلات، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
لذلك، فإن قراءة هذه القصص بوصفها أرقامًا في نشرات الأخبار تُغفل معناها الأعمق. فكل اسم منها يمثل مشروع حياة انقطع، وكل قصة تحمل رسالة مفادها أن الحرب لم تعد تطارد الإنسان في ساحات القتال فقط، بل في تفاصيل حياته اليومية، حيث أصبح مجرد السعي إلى الماء، أو العمل، أو الاحتفال بالزفاف، محفوفًا باحتمال ألا يكتمل.

بث مباشر