مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتجدد معاناة سكان قطاع غزة في الحصول على المياه سواء للاستخدام المنزلي أو للشرب، في ظل أزمة مائية متفاقمة تعصف بالقطاع منذ سنوات، لكنها بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة بفعل تدمير البنية التحتية ونقص مصادر الإمداد الأساسية خلال حرب الإبادة.
ويواجه مئات آلاف المواطنين صعوبات متزايدة في الوصول إلى المياه النظيفة، بينما يضطر كثيرون إلى الانتظار لساعات طويلة أو قطع مسافات كبيرة للحصول على كميات محدودة من المياه، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات اليومية للأسر خلال فصل الصيف.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على الأوضاع الصحية والإنسانية، خصوصا في مراكز النزوح والمناطق المكتظة بالسكان، في وقت تحذر المؤسسات المحلية والدولية من تفاقم الأزمة مع استمرار تراجع إنتاج المياه وتعطل شبكات التوزيع، وسط مخاوف من تداعيات صحية وبيئية خطيرة تهدد حياة السكان الذين يعيشون ظروفا إنسانية صعبة نتيجة الحرب المستمرة وتداعياتها على مختلف القطاعات الحيوية.
معاناة يومية
النازح من شمال قطاع غزة إلى مدينة دير البلح، هاني المقيد، يقول إن الحصول على المياه أصبح من أكثر التحديات اليومية التي تواجه أسرته، مشيرا إلى أن الأزمة تتفاقم بشكل ملحوظ خلال فصل الصيف مع ارتفاع الطلب على المياه وانخفاض الكميات المتوفرة.
ويضيف المقيد أن ساعات طويلة من يومه تذهب في البحث عن مصدر للمياه أو انتظار وصول الصهاريج إلى المناطق السكنية.
ويؤكد أن معاناة الحصول على المياه الصالحة للشرب باتت أكثر صعوبة من أي وقت مضى، حيث يضطر في كثير من الأحيان إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة تفوق قدرته المادية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها النازحون.
ويوضح أن مصادر المياه القريبة غالبا لا تكفي لتلبية احتياجات السكان، ما يدفعه إلى التنقل لمسافات بعيدة لنقل كميات محدودة تكفي أسرته لأيام قليلة فقط.
ويتابع: "معاناتنا مع المياه تتكرر كل صيف دون أي حلول حقيقية، نعيش حالة دائمة من القلق بشأن كيفية تأمين المياه لأطفالنا سواء للشرب أو للاستخدامات اليومية، الأزمة أصبحت جزءا من حياتنا اليومية ومع ارتفاع درجات الحرارة تصبح الأوضاع أكثر صعوبة وإرهاقا للجميع".
من جانبها، تقول المواطنة نداء موسى إن أزمة المياه تمثل عبئا مضاعفا عليها بعد استشهاد زوجها، حيث أصبحت المسؤولة الوحيدة عن رعاية أطفالها وتأمين احتياجات الأسرة الأساسية.
وتشير إلى أن الحصول على المياه يتطلب جهدا بدنيا كبيرا لا تستطيع القيام به بشكل دائم، خصوصا مع عدم توفر وسائل نقل مناسبة وقلة المساعدات.
وتوضح موسى أنها تضطر أحيانا إلى الاستعانة بالجيران أو الأقارب لنقل المياه من أماكن بعيدة، لأن أطفالها ما زالوا صغارا وغير قادرين على تحمل هذه المسؤولية.
وتضيف: "رحلة البحث عن المياه أصبحت جزءا من تفاصيل حياتها اليومية، وتستنزف وقتا وجهدا كان من المفترض أن تخصصه لرعاية أطفالها وتوفير احتياجاتهم الأخرى.
وتؤكد أن ما يزيد من صعوبة الوضع هو غياب أي حلول جذرية للأزمة، قائلة: "نعيش معاناة يومية متواصلة، وكل يوم نفكر في كيفية توفير المياه قبل أي شيء آخر، الأطفال يحتاجون إلى المياه للشرب والنظافة لكن الحصول عليها أصبح مهمة شاقة ومتعبة ولا نرى حتى الآن أي حلول حقيقية تنهي هذه الأزمة".
أزمة تتعمق
بدورها، أكدت بلدية غزة أن نحو 85% من سكان القطاع لا يحصلون على المياه النظيفة بشكل كافٍ، بينما تعمل خدمات المياه بعجز يصل إلى 75%، في واحدة من أسوأ الأزمات التي يشهدها القطاع.
وذكرت البلدية أن مدينة غزة تواجه أزمة غير مسبوقة بعد تعطل خط مياه "ميكروت" الإسرائيلي الذي كان يغذي أكثر من 70% من احتياجات السكان إلى جانب تدمير معظم مصادر المياه والبنية التحتية المرتبطة بها.
وقال المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، إن أزمة المياه في المدينة وحدها تجاوزت في بعض الأيام ما بين 55% و70% من السكان الذين لا تصلهم المياه بانتظام، الأمر الذي يفرض ضغوطاً هائلة على طواقم البلدية ويجبرها على اللجوء إلى حلول طارئة لتوزيع المياه على الأحياء المتضررة وفق الإمكانات المتاحة.
وتؤكد البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بمناسبة يوم البيئة العالمي أن تدمير شبكات المياه في قطاع غزة أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المياه، لا سيما تلك التي يتم توزيعها عبر الصهاريج.
وارتفع سعر كوب المياه إلى نحو 211 شيكلا خلال عام 2025 مقارنة بنحو 30 شيكلا فقط عام 2023، ما يعكس حجم الأزمة المائية والعبء الاقتصادي المتزايد الذي تتحمله الأسر الفلسطينية.
وفي السياق ذاته، أفاد تقرير للأمم المتحدة بأن نحو 75% من النازحين في قطاع غزة يعتمدون على المياه المنقولة بواسطة الشاحنات، في ظل التدهور الكبير الذي أصاب البنية التحتية واستمرار الأزمة الإنسانية.
كما أوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن إجمالي إنتاج المياه في غزة انخفض بنحو 20% خلال شهر مايو الماضي مقارنة بما كان عليه قبل شهرين، نتيجة النقص الحاد في المواد الكيميائية وقطع الغيار اللازمة لتشغيل وصيانة المضخات.
ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة المائية وانعكاساتها الصحية والإنسانية على السكان، في وقت يطالب فيه الغزيون والمؤسسات المحلية بتدخلات عاجلة تضمن توفير المياه النظيفة وتحسين خدمات التوزيع بما يخفف من معاناة مئات آلاف الأسر التي تواجه خطر العطش يوما بعد يوم.
العطش يلاحق الغزيين صيفا.. أزمة المياه تتفاقم ومعاناة يومية بلا حلول
الرسالة نت-خاص