في بلدة سلواد شرق رام الله، كان وليد خالد عبد الله أحمد يعيش حياة تشبه حياة آلاف الفتية الفلسطينيين. طالب في المرحلة الثانوية، يحمل كتبه المدرسية، ويقضي ساعات طويلة في ملاعب كرة القدم، يحلم بمستقبل واسع يتجاوز حدود القرية والتلال المحيطة بها.
لم يكن الفتى الذي لم يتجاوز السابعة عشرة يعلم أن الأشهر الأخيرة من حياته لن تُقاس بالدراسة أو المباريات، بل بعدد الأيام التي سيقضيها خلف قضبان سجن مجدو.
في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2024، اعتُقل وليد من منزله. ودّع أسرته على أمل العودة بعد أيام أو أسابيع، كما يحدث مع كثير من المعتقلين الفلسطينيين. لكن الأيام تحولت إلى شهور طويلة من الاحتجاز، بينما كانت عائلته تنتظر خبراً يطمئنها عليه.
خلال فترة اعتقاله، تزايدت الشهادات الواردة من الأسرى حول الظروف القاسية داخل السجون، وعن نقص الطعام والرعاية الصحية وتدهور الأوضاع المعيشية. في تلك الزنازين كان وليد، الفتى الذي عرفته عائلته سليماً معافى، يفقد شيئاً فشيئاً من وزنه وصحته وقوته.
وفي مارس/آذار 2025، وصل الخبر الذي حطم قلب أسرته.
استشهد وليد داخل سجن مجدو.
لم يكن مجرد رقم جديد في قائمة الضحايا. كان أول أسير فلسطيني قاصر يُعلن عن استشهاده داخل السجون الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة، بحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية.
بعد وفاته، بدأت تتكشف تفاصيل الأيام الأخيرة في حياته. وأظهرت نتائج التشريح والتقارير الطبية مؤشرات واضحة على معاناته من سوء تغذية حاد، فيما تحدثت شهادات عن شكواه المتكررة من نقص الطعام خلال فترة اعتقاله.
لكن المفارقة الصادمة جاءت لاحقاً من داخل المؤسسة القضائية الإسرائيلية نفسها.
فقد أقر تقرير قضائي إسرائيلي بأن وليد كان يعاني من الجوع الشديد داخل السجن، وأن هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها. وأظهرت الوثائق أن جسده حمل علامات واضحة على التجويع وسوء التغذية. ومع ذلك، انتهى القرار القضائي إلى إغلاق ملف التحقيق الجنائي، بحجة عدم وجود دليل كافٍ يثبت أن التجويع كان السبب المباشر للوفاة.
بالنسبة لعائلة وليد، لم يكن الأمر مجرد جدل قانوني حول المصطلحات والتوصيفات. كان ابنهم قد غادر المنزل شاباً يافعاً يمارس الرياضة ويستعد لمستقبله، ثم عاد إليهم جثماناً.
في سلواد، ما زالت صور وليد معلقة على الجدران. يتذكره أصدقاؤه لاعب كرة طموحاً وطالباً هادئاً لم يكن يشكو من أي مرض. أما والدته، فتستعيد ملامحه كما كانت يوم خرج من البيت للمرة الأخيرة، غير مدركة أن تلك اللحظة ستكون الوداع الأخير.
قصة وليد أحمد لا تختصر فقط مأساة فتى فقد حياته خلف القضبان، بل تلخص أيضاً معاناة عائلات فلسطينية كثيرة تنتظر أبناءها الأسرى بقلق يومي، بين أبواب السجون وأخبار المحاكم وتقارير التحقيق.
رحل وليد قبل أن يكمل عامه الثامن عشر، تاركاً خلفه سؤالاً ثقيلاً: كيف يمكن لفتى دخل السجن حياً وبصحة جيدة أن يخرج منه جثماناً، بينما تعترف الوثائق بأنه كان جائعاً، ثم يُغلق الملف دون محاسبة؟
اعترف القضاء الإسرائيلي بتجويعه حتى الموت .. الأيام الأخيرة للأسير وليد أحمد
الرسالة نت-متابعة