لم يفقد محمد العيسوي (أبو نهاد) عينه في قصف أو انفجار، بل فقدها ببطء، يوماً بعد يوم، وهو يفتش عن ابنه الوحيد بين المستشفيات وثلاجات الموتى والبيوت المدمرة. كانت رحلة بحث طويلة انتهت بالعثور على نهاد، لكنها انتهت أيضًا بخسارة أخرى لم يتوقعها الأب؛ خسارة بصره في عينه اليمنى من شدة الحزن.
بدأت الحكاية عندما طلب نهاد من والده السماح له بالذهاب مع أبناء عمه إلى مركز لتوزيع المساعدات. لم يكن الطلب استثنائياً في غزة التي تحولت فيها لقمة الخبز إلى مهمة يومية محفوفة بالخطر.
وافق الأب، معتقداً أن ابنه سيعود بعد ساعات قليلة كما اعتاد. لكن نهاد لم يعد!
مع حلول المساء بدأ القلق يتسلل إلى قلب والده، ثم تحول إلى خوف حقيقي مع انقضاء الليل دون أي خبر عنه. وفي صباح اليوم التالي خرج أبو نهاد يبحث عنه في المستشفيات ومراكز الإيواء وأماكن استقبال المصابين.
يقول الأب: "أكلني القلق والخوف. بدأت أبحث عنه في كل مكان. ذهبت إلى المستشفيات والثلاجات، أبحث عن أي أثر يدلني عليه، لكنني لم أجده".
تحولت الأيام إلى أسابيع، وأصبح البحث طقسًا يوميًا لا يتوقف. كان الأب يعود كل مساء محملًا بالأسئلة نفسها، ثم يخرج مجددًا في الصباح متشبثًا بأمل أن يعثر على ابنه حيًا.
مر اثنان وأربعون يومًا على اختفاء نهاد دون أن يصل أي خبر عنه. وفي إحدى المرات، اقترح عليه بعض الجيران أن يذهب إلى مكان منزلهم المدمر في مدينة حمد بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، فقد يكون الابن عاد إلى هناك ليبحث عن شيء من مقتنيات العائلة أو ليستعيد بعض الذكريات التي دفنتها الحرب تحت الركام.
استجاب الأب للاقتراح وتوجه إلى المنزل المدمر.
هناك، وسط الأنقاض، انتهت رحلة البحث.
يقول أبو نهاد: "عندما وصلت رأيت جثة. اقتربت منها أكثر، وعرفت من الملابس أنها لابني نهاد".
كانت الصدمة أكبر مما يحتملها قلب أب. فالشاب الذي بحث عنه لأكثر من شهر كان راقدًا تحت أنقاض المنزل الذي عاش فيه طفولته وشبابه. لكن ما مزق قلب والده أكثر من أي شيء آخر، أنه وجده يحتضن مصحف والدته.
يقول الأب بصوت مثقل بالوجع: "يبدو أنه ذهب إلى المنزل ليحضر شيئاً لأخواته. وجدته يحتضن مصحف أمه بين ذراعيه".
منذ ذلك اليوم، لم تفارق الصورة مخيلته. نهاد تحت الركام، والمصحف بين يديه، وكأن الابن كان يحاول أن ينقذ شيئاً من ذاكرة البيت قبل أن تبتلعه الحرب.
ويضيف الأب: "نهاد كان ابني الوحيد. تمنيته من الدنيا كلها، ثم أخذه الله. أخذ معه عيني اليمنى أيضًا".
مع مرور الوقت، بدأ بصر أبو نهاد يضعف حتى فقد الرؤية في عينه اليمنى. لم يكن المرض وحده السبب، كما يقول المقربون منه، بل الحزن العميق الذي استوطن قلبه منذ لحظة العثور على ابنه.
في غزة التي امتلأت بقصص الفقد، تبقى حكاية أبو نهاد العيساوي شاهدة على وجه آخر للحرب؛ حرب لا تكتفي بأخذ الأبناء، بل تترك الآباء يعيشون ما تبقى من أعمارهم وهم يحملون صورهم وذكرياتهم وأوجاعهم التي لا تنتهي.
فبعد 42 يومًا من البحث، وجد أبو نهاد ابنه أخيرًا، لكنه عاد من رحلته الطويلة بقلب مكسور وعينٍ غاب نورها إلى الأبد!