حين عاد الأسير الفلسطيني المحرر عماد نبهان إلى عائلته بعد سنتين من الاعتقال، لم تكن فرحة التحرر كاملة. كان جسده قد خرج من السجن، لكن آثار ما عاشه خلف القضبان بدت وكأنها ما تزال تلاحقه في كل لحظة.
اعتُقل نبهان من قطاع غزة خلال الحرب، وتنقّل بين عدة سجون ومعتقلات إسرائيلية، بينها معتقل "سديه تيمان" الذي ارتبطت شهادات كثيرة بوصفه أحد أكثر أماكن الاحتجاز قسوة بحق المعتقلين الفلسطينيين. وهناك، كما يروي، بدأت رحلة طويلة من التعذيب الجسدي والنفسي.
يتحدث نبهان عن ما يسميه الأسرى "غرف الديسكو"، وهي غرف مغلقة تُشغَّل فيها أصوات وموسيقى صاخبة لساعات طويلة بهدف حرمان المعتقلين من النوم وإرهاقهم نفسياً. ويقول إنه أُجبر على الجلوس على كرسي حديدي موصول بالكهرباء، وتعرض لصدمات كهربائية متكررة خلال جلسات التحقيق التي تركزت على أسئلة تتعلق بالمقاومة والأنفاق وأسماء الأشخاص المطلوبين للاحتلال.
لكن أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرته كان ما يعرف باسم "التابوت الحديدي". يصفه بأنه قفص ضيق يشبه التوابيت التي يُدفن فيها الموتى، كان يُوضع داخله لساعات طويلة وأحياناً لأيام متتالية، غير قادر على الحركة أو رؤية شيء سوى الظلام. وفي إحدى شهاداته قال إنه أمضى أياماً داخل هذا الصندوق الضيق حتى تمنى الموت من شدة العذاب.
ويروي أن الطعام كان يُمرر إليه عبر أنبوب صغير، بكميات بالكاد تكفي لإبقائه على قيد الحياة، فيما كان السجانون يعيدونه مراراً إلى التحقيق بعد فترات الاحتجاز داخل التابوت. كما تعرض، وفق شهادته، للضغط النفسي ومحاولات الابتزاز والتجنيد مقابل وعود بالإفراج أو حماية أفراد من عائلته، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع.
بعد الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى، اكتشفت عائلته أن آثار الاعتقال لم تنتهِ. فقد أصيب نبهان بأزمات عصبية وتشنجات متكررة وفقدان مؤقت للوعي، وسط مخاوف من أن تكون الصدمات الكهربائية والتعذيب النفسي قد تركت أضراراً عميقة في جهازه العصبي. وتحدث والده بحسرة عن تحوّل فرحة التحرر إلى رحلة علاج طويلة، بعدما عاد ابنه منهكاً جسدياً ونفسياً.
شهادة عماد نبهان ليست مجرد قصة أسير محرر، بل نافذة على ما يقوله أسرى فلسطينيون عن ظروف الاعتقال والتعذيب داخل السجون الإسرائيلية. وبينما يحاول اليوم استعادة حياته الطبيعية، ما تزال تفاصيل "التابوت" و"غرف الديسكو" حاضرة في ذاكرته، شاهدة على سنوات يقول إنها كانت أقرب إلى الموت البطيء منها إلى الحياة.
عماد نبهان.. خرج من "التابوت" حيًّا لكن العذاب بقي في جسده
الرسالة نت-خاص