في أحد ممرات مستشفى ناصر بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وقف الطبيب الأمريكي مارك براونر محاطًا بأطفال نحلت أجسادهم من الجوع، وجرحى يتكدسون فوق الأسرة وعلى الأرض، فيما كانت أصوات الانفجارات تقترب كل دقائق من جدران المستشفى.
بعد أربعين عامًا قضاها في طب الطوارئ بالولايات المتحدة، لم يعد الرجل قادرًا على العودة إلى حياته كما كانت.
يقول براونر، الذي تطوع لعلاج المصابين في غزة، إن ما شاهده هناك دفعه لاتخاذ قرار اعتزال العمل قريبًا، مؤكدًا أن التجربة “حطمت شيئًا داخله لن يعود كما كان”.
في شهادته التي تداولتها وسائل إعلام ومنصات عدة، وصف الطبيب الأمريكي ما رآه داخل القطاع بأنه “إبادة جماعية واسعة النطاق”، مشيرًا إلى أن الموت في غزة لم يعد يأتي فقط من القصف، بل من الجوع أيضًا.
“إذا فهم الناس فعلًا ما يحدث في غزة، فسوف يُجبرهم ذلك على التحرك”، يقول براونر، قبل أن يتوقف لثوانٍ وكأنه يحاول استيعاب الصور التي لا تزال تطارده.
داخل مستشفى ناصر، لم يكن الأطباء يملكون الوقت للحزن أو حتى للراحة. عشرات المصابين يصلون في كل ساعة، بعضهم بأطراف مبتورة، وآخرون بأجساد هزيلة أنهكها الحصار والمجاعة.
يصف براونر أحد المشاهد التي لن تغادر ذاكرته قائلًا إن الأطفال وصلوا إلى مرحلة “لم تعد أجسادهم قادرة فيها على امتصاص الطعام أو الماء”، بينما كانت أضلاع المرضى البارزة تظهر بوضوح خلال العمليات الجراحية بسبب سوء التغذية الحاد.
ولم يكن المرضى وحدهم من ينهارون.
فالطواقم الطبية نفسها، بحسب الطبيب الأمريكي، كانت تعمل لساعات تمتد من 16 إلى 18 ساعة يوميًا، ثم تغادر المستشفى سيرًا على الأقدام نحو الخيام أو البيوت المدمرة، وهي تعاني الجوع والإرهاق ذاته.
يقول: “رأيت أطباء وممرضين بالكاد يستطيعون الوقوف، لكنهم يواصلون العمل لأن لا أحد غيرهم”.
ورغم الروايات الإسرائيلية المتكررة عن وجود مظاهر مسلحة داخل المستشفيات، يؤكد براونر أن ما رآه كان مختلفًا تمامًا.
“لم أرَ مسلحين أو شعارات حاقدة”، يقول، “بل رأيت شبابًا مرهقين، في أقدامهم نعال ممزقة، يحاولون فقط إنقاذ الناس”.
ويضيف أن أصعب اللحظات كانت حين كان يسمع الانفجارات قرب المستشفى بينما يحاول الأطباء إجراء العمليات تحت ضغط هائل ونقص حاد في المعدات والأدوية.
بالنسبة له، لم تعد غزة مجرد مهمة إنسانية عابرة، بل تجربة غيّرت نظرته للعالم وللطب وللإنسان نفسه.
ويؤكد أن ما عاشه هناك جعله غير قادر على مواصلة العمل بالطريقة ذاتها بعد اليوم، قائلًا إن سنواته الأربعين في أقسام الطوارئ الأمريكية لم تهيئه لما شاهده في القطاع المحاصر.
“هناك نقطة لا يعود الإنسان بعدها كما كان”، يقول براونر، “وأعتقد أنني وصلت إليها في غزة”.
وتأتي شهادة الطبيب الأمريكي في وقت يواصل فيه القطاع مواجهة كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط تحذيرات أممية من تفشي المجاعة وانهيار المنظومة الصحية بالكامل، بينما تستمر المستشفيات القليلة العاملة باستقبال أعداد تفوق قدرتها بأضعاف.
ورغم مغادرته غزة، يقول براونر إن الصور التي رآها ستبقى تلاحقه طويلًا؛ أطفال ينتظرون الطعام بدل اللعب، أطباء يجرون العمليات وهم جوعى، ومرضى يموتون ببطء لأن العالم لم يتحرك بعد.
“لم أعد قادرًا على الاستمرار”.. طبيب أمريكي يعتزل بعد أن رأى غزة بعينيه
الرسالة نت-متابعة