قائمة الموقع

يرى بعينيه بعد الرحيل.. قرنية شهيد من غزة تعيد النور إلى عيني السيدة بيروت النخالة

2026-05-25T18:05:00+03:00
الرسالة نت - خاص


في مدينة غزة، التي تُطفأ فيها الأنوار كل ليلة تحت القصف، استعادت الفلسطينية بيروت النخالة شيئًا من الضوء.

لم يكن ذلك عبر معجزة طبية كاملة، ولا من خلال رحلة علاج خارج قطاع غزة المحاصر، بل عبر قرنية شهيد فلسطيني أوصى قبل استشهاده أن يبقى شيء منه حيًا في أجساد الآخرين.

بيروت، ذات الثلاثة والثلاثين عامًا، كانت تمضي أيامها في عتمة بطيئة. تعاني من “القرنية المخروطية”، ذلك المرض الذي يسرق البصر تدريجيًا، حتى أصبحت ترى العالم كظلال باهتة ومتداخلة.

ومع الحرب، صار الأمر أكثر قسوة؛ فالدخان، والنزوح، وانقطاع الكهرباء، والخوف الدائم، كلها عوامل سرّعت تدهور عينيها، حتى فقدت القدرة على تمييز الوجوه بوضوح.

كانت تنتظر السفر للعلاج خارج غزة، مثل آلاف المرضى الذين تتكدس أسماؤهم على قوائم التحويل الطبي، لكن المعابر المغلقة والحصار الطويل جعلا الانتظار يشبه حكمًا مفتوحًا بالعتمة.

وفي أحد أيام مايو، وصل اتصال غير متوقع إلى مستشفى العيون بمدينة غزة.
شاب فلسطيني استشهد في قصف إسرائيلي على مخيم جباليا، وكانت وصيته قبل استشهاده التبرع بأعضائه لمن يحتاجها.

وسط النقص الحاد في المعدات الطبية، وشحّ الخيوط الجراحية والأدوية، بدأ الأطباء سباقًا مع الوقت لإنقاذ القرنية وإجراء أول عملية زراعة من هذا النوع منذ شهور الحرب الطويلة.

داخل غرفة عمليات أنهكها انقطاع الكهرباء ونقص الإمكانيات، وقف الأطباء يحاولون ترميم ما أفسدته الحرب في جسد آخر.

وعندما أفاقت بيروت بعد العملية، لم تكن الكلمات كافية لوصف ما حدث.

تقول بصوت متردد: “رحل الشهيد… لكنه ترك لي الضوء.”
وللمرة الأولى منذ شهور، استطاعت أن ترى ملامح من حولها بشكل أوضح؛ وجه والدتها، ولون الجدران، وانعكاس الشمس الخافت على نافذة المستشفى.
في غزة، حيث يتكرر الموت أكثر من الحياة، تحولت القرنية الصغيرة إلى حكاية كاملة عن النجاة.

الشهيد محمود أبو سيسي خرج من العالم تحت الركام، لكنه منح امرأة أخرى فرصة لتستعيد جزءًا من رؤيتها.
ووصف الأطباء العملية بأنها بداية أمل لعشرات المرضى الذين ينتظرون زراعة قرنيات داخل القطاع، في وقت أصبحت فيه المستلزمات الطبية نادرة، والسفر للعلاج شبه مستحيل.

لكن القصة بالنسبة لبيروت لم تكن مجرد عملية ناجحة.
كانت تشعر أن شخصًا لم تعرفه من قبل عبر بها من العتمة إلى الضوء.

وقال الدكتور حسام داوود، الطبيب الذي أجرى العملية، إن نجاح زراعة القرنية داخل غزة في ظل الحرب “يشبه انتزاع فرصة للحياة من قلب الدمار”.

وأضاف أن الفريق الطبي عمل في ظروف شديدة القسوة، وسط نقص حاد في الأدوات الجراحية والأدوية، وانقطاع متكرر للكهرباء، موضحًا أن الحفاظ على القرنية وتجهيزها للزراعة كان سباقًا مع الزمن.

وأشار إلى أن أكثر ما أثّر فيه خلال العملية هو شعوره بأن الشهيد “لم يغادر بالكامل”، بل ترك جزءًا منه ليستمر في منح الحياة لآخرين.

وقال:“في غزة نحاول كل يوم أن ننقذ ما يمكن إنقاذه. هذه العملية لم تكن مجرد نجاح طبي، بل رسالة إنسانية تقول إن الفلسطيني، حتى بعد استشهاده، يستطيع أن يمنح النور والحياة.”

وأكد داوود أن أكثر من 300 مريض في قطاع غزة ينتظرون عمليات زراعة قرنيات بشكل عاجل، بينما تعيق الحرب والحصار إدخال القرنيات والمستلزمات الطبية اللازمة، محذرًا من أن كثيرين قد يفقدون بصرهم بالكامل إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وفي مدينة تتسع للموت كل يوم، بقيت هذه الحكاية الصغيرة تقول إن الفلسطينيين، حتى في رحيلهم، يحاولون أن يتركوا خلفهم ما يشبه الحياة.

اخبار ذات صلة