في سلوان، جنوب المسجد الأقصى، لا تبدو الحكاية مجرد نزاع على بيوت أو قطعة أرض، بل تبدو كمعركة طويلة على الوجود نفسه. هنا، على السفوح الملاصقة للبلدة القديمة والمسجد الأقصى، يعيش الفلسطينيون تحت تهديد دائم بالاقتلاع، فيما تتحول الأزقة القديمة إلى خطوط تماس مفتوحة بين السكان الأصليين والمستوطنين الذين يتوسعون عامًا بعد عام تحت حماية القوانين والمحاكم والشرطة التابعة للاحتلال.
تقع سلوان جنوب البلدة القديمة مباشرة، وقد ضمها الاحتلال إلى المسطح البلدي للقدس بعد احتلال الشطر الشرقي من المدينة عام 1967، خلافًا للقانون الدولي. ويعيش في الحي نحو 20 ألف فلسطيني، لكن موقعه الحساس المحاذي للمسجد الأقصى وما يسميه الاحتلال "جبل الهيكل"، جعله في مقدمة المناطق المستهدفة بمشاريع التهويد.
وبحسب تقرير لمركز معلومات حقوقي إسرائيلي"بيتسيم" ، فإن ما يجري في سلوان ليس سلسلة إجراءات منفصلة، بل جزء من خطة واسعة تهدف إلى تفريغ المنطقة المحيطة بالبلدة القديمة من سكانها الفلسطينيين، وخلق تواصل جغرافي وديمغرافي استيطاني في القدس المحتلة.
وتستخدم سلطات الاحتلال لتحقيق ذلك مجموعة واسعة من الأدوات، من بينها القوانين التمييزية، مثل "قانون أملاك الغائبين"، وقوانين بلدية القدس، والامتناع المتعمد عن إعداد خرائط هيكلية للبناء في الأحياء الفلسطينية، إضافة إلى إعلان مساحات واسعة كـ"حدائق وطنية" أو "مواقع أثرية" لتبرير الاستيلاء عليها.
وفي سلوان تحديدًا، تتركز مشاريع التهويد في ثلاثة مسارات متزامنة: حفريات "شارع هيرودوس" أو "درب الحجاج"، وعمليات هدم حي البستان، وإخلاء السكان الفلسطينيين من حي بطن الهوى.
في حي بطن الهوى، يصف التقرير ما يجري بأنه أول تهجير جماعي لفلسطينيين من شرقي القدس منذ عام 1967. وحتى نيسان/أبريل 2026، جرى تهجير 33 عائلة فلسطينية تضم 77 شخصًا، بينهم 37 طفلًا. وخلال آذار/مارس 2026 وحده، أُخرجت 15 عائلة من منازلها.
لكن الأرقام لا تتوقف هنا، فخطر التهجير لا يزال يلاحق 53 عائلة أخرى في الحي، تضم معًا 237 فلسطينيًا، بينهم 130 طفلًا.
في تلك الأزقة الضيقة، يعيش الناس على وقع الخوف اليومي من أن تتحول أبواب منازلهم فجأة إلى مداخل للمستوطنين والشرطة. العائلات هناك تحفظ مواعيد الجلسات القضائية كما تحفظ أعيادها، والأطفال يكبرون وهم يرون أثاث البيوت يُلقى في الشوارع بعد كل عملية إخلاء.
وقد تقدمت عشرات العائلات الفلسطينية بالتماسات إلى محاكم الاحتلال ضد أوامر الإخلاء، لكن المحاكم رفضت تلك الالتماسات في سلسلة قرارات صدرت أواخر عام 2025، وأمرت 157 فلسطينيًا بمغادرة منازلهم. وفي عدد من الحالات، أُجبرت العائلات المهجرة على دفع عشرات آلاف الشواقل للمستوطنين كتعويضات.
وتفيد المعطيات بأن 28 عائلة تواجه اليوم خطر التهجير الفوري بعد أن رفضت المحكمة طلباتها للاستئناف واعتبرت أن جميع الإجراءات القضائية قد استنفدت. في المقابل، لا تزال قضايا 25 عائلة أخرى قيد المداولات أمام محكمة الصلح أو بانتظار قرارات المحكمة العليا التابعة للاحتلال.
ويستند التهجير في بطن الهوى إلى منظومة قانونية تمييزية، على رأسها "قانون أملاك الغائبين" الصادر عام 1950، والذي يسمح بالاستيلاء على أملاك الفلسطينيين الذين هُجروا خلال نكبة عام 1948، إضافة إلى "قانون التسويات القضائية والإدارية" لعام 1970، الذي يمنح اليهود وحدهم حق المطالبة بأملاك كانت لهم قبل عام 1948، بينما يُحرم الفلسطينيون من استعادة ممتلكاتهم.
كما يستخدم "الوصي العام" التابع للاحتلال، وهو هيئة حكومية أُنشئت بعد قيام الدولة العبرية لإدارة الأوقاف اليهودية في القدس الشرقية، كأداة إضافية لنقل العقارات الفلسطينية إلى الجمعيات الاستيطانية.
وفي عام 2001، أقرت المحكمة المركزية التابعة للاحتلال نقل إدارة "وقف بنبنشتي" إلى جمعية "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية. وبعد ذلك بعام، نقل الوصي العام إلى الوقف أراضي ومبانٍ تقطنها معظم العائلات الفلسطينية المهددة بالتهجير. وفي عام 2005، باع الوصي للجمعية قطعة أرض إضافية مساحتها ثلاثة دونمات كانت تسكن عليها نحو عشر عائلات فلسطينية أخرى.
ويؤكد التقرير أن الفلسطينيين الذين امتلكوا هذه البيوت بشكل قانوني باتوا مهددين بالطرد منها لمصلحة مستوطنين تدعمهم حكومة الاحتلال، في وقت اعتبرت فيه المحكمة العليا التابعة للاحتلال أن حق المستوطنين في الملكية "يعلو" على حق ملكية الفلسطينيين.
لكن الضغط على السكان لا يتم فقط عبر المحاكم والقوانين، بل أيضًا عبر تحويل الحياة اليومية إلى جحيم مستمر. فبحسب التقرير، يدخل المستوطنون إلى الحي تحت حماية حراس أمن خاصين تمولهم وزارة الإسكان التابعة للاحتلال بمئات ملايين الشواقل سنويًا. ومع دخولهم، ترتفع أعداد الشرطة وحرس الحدود في المنطقة، وتزداد الاعتقالات والاقتحامات والعنف ضد السكان الفلسطينيين، بما في ذلك اعتقال القاصرين.
ويصف التقرير ما يجري بأنه سياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى الرحيل "طوعًا" عبر جعل الحياة اليومية مستحيلة.
وفي مقابل هذا الضغط الأمني، يعاني سكان سلوان الفلسطينيون من إهمال واسع في الخدمات والبنية التحتية. شوارع غير معبدة، نفايات متراكمة، وإنارة محدودة، في حين تحظى البؤر الاستيطانية داخل الحي، مثل "كفار هتيمانيم" و"كفار هشيلوح" و"عير دافيد"، بحماية أمنية مشددة وطرق حديثة وخدمات متطورة تمولها سلطات الاحتلال.
أما في حي البستان المجاور، فتتواصل عمليات الهدم بوتيرة متسارعة. فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نيسان/أبريل 2026، هدمت بلدية القدس التابعة للاحتلال 48 منزلًا فلسطينيًا. وخلال شهري آذار ونيسان 2026 فقط، هُدم 14 منزلًا، ما أدى إلى تهجير 56 شخصًا بينهم 20 طفلًا.
ورغم ذلك، لا يزال خطر الهدم يهدد 123 عائلة فلسطينية في حي البستان تضم معًا نحو 1450 شخصًا، بينهم 900 طفل. كما أصدرت بلدية القدس أوامر هدم بحق 17 منزلًا إضافيًا.
وتعود جذور هذه الحملة إلى عام 2010، حين طرحت بلدية القدس، برئاسة نير بركات آنذاك، مشروع إقامة متنزه سياحي يحمل اسم "حديقة الملك" فوق أراضي حي البستان، باعتباره امتدادًا مباشرًا للحديقة الوطنية المحيطة بأسوار القدس ولموقع ما يسمى "مدينة داود" الأثري.
ويُدار موقع "مدينة داود" منذ أواخر التسعينيات بواسطة جمعية "إلعاد" الاستيطانية، التي تعمل بشكل علني على تهويد سلوان.
وفي بداية شباط/فبراير 2026، اقتحمت أربع جرافات تابعة للاحتلال حي البستان بصورة مفاجئة، وهدمت ممتلكات للسكان شملت أسوارًا، وأسيجة، ومخازن، وبوابات، ومحالًا تجارية دون أي إنذار مسبق.
ولتبرير عمليات الهدم، استخدمت بلدية القدس التابعة للاحتلال قانونًا بلديًا يتعلق بـ"إزالة معيقات من الشارع"، رغم أن المباني المستهدفة قائمة منذ سنوات فوق أراضٍ لم تُعرّف أصلًا كشوارع. وحتى بعد أن أصدرت المحكمة المركزية قرارًا بوقف الهدم، واصلت الجرافات عمليات التدمير داخل الحي.
وتشير المعطيات إلى أن سلوان تقع ضمن ما يسميه الاحتلال "الحوض المقدس"، وهو مخطط يشمل أيضًا الحي الإسلامي والحي المسيحي في البلدة القديمة، والشيخ جراح، والطور، ووادي الجوز، ورأس العامود، وجبل المكبر.
وبسبب موقعها الجغرافي وما تحتويه من مواقع أثرية وتاريخية، يستخدم الاحتلال سلوان لتبرير سياسات تخطيطية تحد من التوسع الفلسطيني وتعزز السيطرة على القدس الشرقية.
كما يجري إعلان مناطق فلسطينية كـ"حدائق وطنية" أو "محميات طبيعية" أو "مواقع أثرية" بوصفها أدوات لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم وتحويلها إلى مشاريع تخدم الاستيطان والسياحة التوراتية.
وتتم هذه السياسات، كما يشير تقرير " بيتسيلم"، بالتعاون الوثيق مع جمعيات استيطانية يمينية متطرفة، أبرزها "إلعاد" و"عطيرت كوهانيم"، بهدف خلق تواصل جغرافي استيطاني يعزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها البعض وعن الضفة الغربية.
وتعود جذور هذه السياسات إلى عام 1967، عندما ضم الاحتلال نحو 70 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية إلى حدود بلدية القدس، قبل أن يخصص نحو ثلث هذه الأراضي لبناء مستوطنات، بينها "جيلو"، و"راموت"، و"بسغات زئيف"، و"رمات شلومو"، و"هار حوما"، و"جفعات همتوس"، بهدف ضمان أغلبية يهودية داخل المدينة.
كما لا يكتفي الاحتلال ببناء المستوطنات على أطراف القدس، بل يعمل أيضًا على إنشاء بؤر استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية نفسها، كما يحدث في الشيخ جراح والحي الإسلامي وسلوان.
وفي ختام التقرير، جرى التأكيد على أن ما يحدث في سلوان وفي القدس الشرقية عمومًا يمثل جزءًا من نظام فصل عنصري وتمييز ممنهج ضد الفلسطينيين، تُستخدم فيه القوانين والمحاكم والشرطة والجمعيات الاستيطانية كأدوات لفرض السيطرة على المدينة.
ولا يقتصر هذا الواقع على هدم البيوت أو تهجير العائلات، بل يمتد إلى حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الأساسية، وتحويل حياتهم اليومية إلى حالة دائمة من الخوف والضغط والإذلال.
يخسر الفلسطينيون في سلوان ذاكرتهم الجماعية وحكايتهم في القدس. هناك، حيث يختلط صوت الأذان بأصوات الجرافات، يحاول السكان التمسك بما تبقى من المدينة، فيما تتقدم مشاريع التهويد ببطء، بيتًا بعد بيت، وشارعًا بعد شارع.