الحاجة أم فهيم معمر.. حتى في الوداع الأخير كانت تعدّ القبل بين شهيدَيها

الرسالة نت-خاص

في قرية قريوت جنوب نابلس، لم يكن الهجوم جديدًا على أم فهيم معمر. كانت تعرفه جيدا؛ صراخ المستوطنين حين يهبطون إلى أطراف القرية، رائحة الحقول حين تشتعل، والرجال الذين يخرجون كل مرة لحماية الأرض بما يملكونه من أجساد عارية إلا من الغضب. لكن هذا العام لم يشبه ما سبقه. هذا العام، عاد المستوطنون وأخذوا منها قلبين دفعة واحدة.
استشهد ولديها الشقيقان محمد وفهيم طه معمر وهما يحاولان التصدي لهجوم المستوطنين على القرية. خرجا كما يخرج أبناء القرى
 
دائمًا حين تُهدد الأرض؛ بلا تردد، كأن الدفاع عن التراب غريزة أقدم من الخوف. كان المستوطنون قد هاجموا المنازل والأراضي، وألقوا الشعَل المشتعلة نحو الحقول والبيوت، بينما حاول الأهالي إخماد النار وإبعادها عن أشجار الزيتون التي تشبه أعمارهم الطويلة.
تقول أمّهما بصوت حاول أن يبقى ثابتًا رغم الخراب:
“في ذلك اليوم هجم علينا المستوطنون… يكررونها كل عام، لكنهم هذا العام أخذوا ما يريدون، أخذوا أبنائي. رموا الشعل المشتعلة على بيوتنا وأراضينا، ووقف أبنائي حتى يدافعوا عن الأرض… لكنهم استشهدوا.”
لم تكن تبكي وهي تروي الحكاية بقدر ما كانت تبدو مذهولة من سرعة الفقد. تتحدث عن ابنيها كما لو أنهما ما زالا في الغرفة المجاورة، تسمّي أحدهما فيلتفت قلبها للآخر تلقائيًا، كأنهما لم يعرفا يومًا معنى الانفصال. وحتى في الوداع الأخير، بقيت تخشى أن تظلم أحدهما على حساب الآخر.
تقول الأم:
“لم أفرّق بينهما يومًا… حتى وهما شهيدان. وأنا أودعهما كنت حريصة على تعادل عدد القبل. كنت أقبل هذا وأقبل هذا، وأقول في نفسي: لا أريد أن أقبل أيًّا منهما أكثر من الآخر.”
ثم تصمت قليلًا، كأنها تعيد المشهد أمام عينيها؛ الكفنان الأبيضـان، الوجهان الساكنان، والناس الذين كانوا يمرّون حولها بينما كانت تحاول أن تمنح كل ابن المقدار نفسه من اللمسة الأخيرة.
وتتابع بصوت يختلط فيه الوجع بالفخر:
“قد حصلوا على الشهادة الأولى… فماذا يريدون أجمل؟ يا ليتنا مثلهم.”
في قريوت، لم تعد الأم تُعرف باسمها فقط. صار الناس ينادونها “أم الشهيدين”. المرأة التي ودّعت ولدين دفعة واحدة، لكنها ظلّت حتى اللحظة الأخيرة أمًا تخاف على عدالة القبل بين طفليها.

وتعيش قريوت، الواقعة جنوب نابلس، تحت واحدة من أكثر بؤر اعتداءات المستوطنين تصاعدًا في الضفة الغربية. فالقرية المحاطة بعدة مستوطنات وبؤر استيطانية تواجه هجمات شبه متكررة تستهدف المنازل والأراضي الزراعية والمزارعين، خصوصًا خلال مواسم الزيتون

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، تم توثيق أكثر من ألف هجوم نفذه مستوطنون في الضفة الغربية منذ بداية العام، طالت 230 تجمعًا فلسطينيًا، وأسفرت عن مقتل 11 فلسطينيًا وإصابة نحو 700 آخرين، بينما كانت محافظات نابلس ورام الله والخليل الأكثر استهدافًا.