في صباحٍ لم يكتمل، خرج علاء خالد صبيح من بلدته القريبة من طوباس باتجاه أراضي تياسير. لم يكن يحمل أكثر من جسده وإصراره، مثل كثيرين من شبّان الأغوار الذين اعتادوا أن يقفوا في وجه الهجمات المفاجئة. كانت الأخبار قد سبقت خطاه: اعتداء جديد، وخوف يتسلل إلى البيوت، ووجوه تنتظر من يحميها.
هناك، في المسافة المفتوحة بين الحقول والخوف، انقطع صوته. رصاصة واحدة كانت كافية لتختصر حياته، لكنها لم تكن كافية لتنهي الحكاية.
الحكاية بدأت فعلًا بعد استشهاده.
حين سقط علاء على الأرض، لم يُسمح للأرض أن تحتضنه طويلًا. اقتحمت قوات الاحتلال المكان، لإحكام السيطرة على جسده. تُرك ينزف، ثم حُمل بعيدًا… مسروقا من حضن أمه، بل إلى جهة مجهولة. منذ تلك اللحظة، لم يعد الحديث عن استشهاد شاب فقط، بل عن جثمانٍ مُحتجز، وعن وداعٍ مُصادر، وعن عائلة تُعاقب مرتين.
لاحقًا، روّج الاحتلال لرواية يتهم فيها علاء بأنه أصاب مستوطنًا خلال المواجهات، في محاولة لتبرير إطلاق النار عليه واحتجاز جثمانه، رغم أن الشبان في المنطقة كانوا يواجهون اعتداءً مباشرًا على قريتهم ويحاولون الدفاع عنها.
في بيت العائلة، لا شيء يشبه الموت؛ لا جنازة، لا مشي خلف النعش، لا تكبيرات تُسلّم الروح إلى السماء. فقط انتظار ثقيل، كأن الزمن نفسه أصبح رهينة.
تقول أمنة صبيح، والدة الشهيد، إن علاء كان “حنونًا جدًا عليّ وعلى إخواته، وحتى على زراعاته التي كان يهواها ويعتني بها كأنها جزء من روحه”. تستعيد ذلك الصباح بتفاصيله الصغيرة، وتقول إنه قبل خروجه، وبينما كانت تسمع عن اقتحامات المستوطنين المتواصلة لقرية تياسير، حاولت أن تخفي خوفها، لكنه التقطه سريعًا.
“قال لي: لا تخافي يا أمي… أنا هنا لحراستك”.
تتوقف الأم عند هذه الجملة، كأنها آخر ما تبقى لها منه. تبكي، ثم تواصل بصوتٍ متقطع: “لم أره… قالوا لي إنه استشهد، لكني لم أودّعه. سحبوا جثمانه واحتجزوه حتى اللحظة. أنا لا أريد شيئًا… أريد فقط أن أودّع ابني، وأن أدفنه مثل كل أمهات الشهداء”.
كلماتها ليست حلما، بل حق بديهي سُلب منها.
احتجاز الجثمان امتداد للعنف، وأكثر برودة وأشد قسوة. فالموت، رغم قسوته، يحمل نهاية واضحة. أما حين يُحتجز الجسد، فإن الموت يتحول إلى حالة معلّقة: لا حياة يمكن الإمساك بها، ولا فراق يمكن تصديقه.
في الأغوار، يعرف الناس هذه السياسة جيدًا. أسماء كثيرة سبقت علاء، وجثامين كثيرة ما زالت محتجزة، كأنها أوراق ضغط في معادلة لا ترى الإنسان إلا رقمًا. لكن بالنسبة لعائلة علاء، الرقم له وجه، وصوت، وضحكة لم تُكمل طريقها.
يقول أحد أقاربه إن أصعب ما في الأمر ليس لحظة تلقي الخبر، بل ما بعدها. “نحن لا نعرف أين هو الآن”، يقول، “ولا متى سنراه، ولا إن كنا سنُمنح حق دفنه أصلًا”. تتوقف الكلمات عند هذه الجملة، لأن ما بعدها لا يُقال بسهولة.
وفي مشهدٍ لا ينفصل عن حكاية علاء، تتسع الصورة لتكشف ما هو أكبر من قصة فرد، وأكثر قسوة من فاجعة عائلة واحدة. فمنذ بداية عام 2026، تعيش قرى الضفة الغربية على وقع تصعيدٍ متسارع في اعتداءات المستوطنين، حيث سُجّلت مئات الهجمات شهريًا، بينها نحو 384 اعتداءً في شهر فبراير وحده، في مقابل ما يقارب 1370 عملية اقتحام خلال يناير فقط.
هذا التصاعد لم يكن بلا ثمن؛ إذ أسفر، في شهر واحد، عن 6 شهداء و107 جرحى، في أرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار الاعتداءات اليومية.
لم تقتصر هذه الهجمات على المواجهات المباشرة، بل امتدت لتطال كل ما يمسّ حياة الناس: إحراق منازل ومركبات، تخريب أراضٍ زراعية، اقتلاع أشجار، وسرقة ممتلكات، في مشهد يتكرر من قرية إلى أخرى، وغالبًا تحت حماية قوات الاحتلال.
وسط هذه الأرقام، لا يبدو علاء رقمًا إضافيًا في سجل طويل، بل شاهدًا على معنى آخر للعنف؛ عنفٌ لا يكتفي بإنهاء الحياة، بل يمتد ليحتجز الجسد ويصادر الوداع. وهكذا، بين مئات الاعتداءات وآلاف الاقتحامات، تبقى حكاية علاء صبيح مثالا لواقع أهالي الضفة: حياة سُلبت، وجثمان ما زال غائبًا، وأمّ تنتظر حقًا بسيطًا… أن تودّع ابنها.