كيف تُدار حرب غزة بأشكال جديدة؟

الرسالة نت - متابعة


رغم الحديث المتكرر عن “وقف إطلاق النار” في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلا أن الواقع على الأرض يكشف صورة مختلفة تمامًا، تُظهر أن غزة لم تخرج من الحرب، وتُدار بأدوات أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا، لكنها لا تقل قسوة عن القصف ذاته.

أعادت الحرب تشكيل نفسها بأدوات جديدة وأشكال أكثر تعقيدًا، تجمع بين القصف المحدود، والحصار المشدد، وإعادة هندسة الجغرافيا والسيطرة الميدانية والاقتصادية.

فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن إسرائيل قتلت 811 فلسطينيًا وأصابت 2278 آخرين، في سياق عمليات عسكرية متواصلة توصف بأنها "منخفضة الوتيرة" لكنها مستمرة يوميًا، بالتوازي مع توسع ميداني متدرج لما يُعرف إسرائيليًا بـ"الخط الأصفر"، بما يعيد ترسيم مناطق النفوذ داخل القطاع.

ورغم أن الاتفاق، الذي يستند إلى خطة أمريكية، كان يُفترض أن يفتح مسارًا نحو تهدئة وتحسين الوضع الإنساني، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك، حيث تتواصل القيود على الحركة والمعابر والمساعدات، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل باتباع سياسة "هندسة حصار" لا رفعه.

من القصف إلى التحكم بالمعيشة
في غزة اليوم، لا تبدو الحرب حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل منظومة ضغط متكاملة تمتد من الجو إلى الأرض، ومن المعابر إلى تفاصيل الحياة اليومية. 

ويؤكد مسؤولون في القطاع أن إسرائيل ما تزال تتحكم بشكل صارم في إدخال السلع والمواد الأساسية، ما يخلق اقتصادًا هشًا قائمًا على الندرة وارتفاع الأسعار.
وكيل وزارة الاقتصاد في غزة حسن أبو ريالة يقول إن الحصار تحول إلى أداة "تعذيب اقتصادي" تُدار عبر التحكم الكامل في تدفق البضائع، مضيفًا أن حصر الاستيراد بعدد محدود من التجار أدى إلى احتكار وارتفاع كبير في الأسعار، في ظل غياب أي سيطرة محلية على آليات الإدخال.

ووفق بيانات محلية، فإن البروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق نص على دخول 600 شاحنة يوميًا، إلا أن ما يصل فعليًا لا يتجاوز نصف هذا العدد في أفضل الأحوال، ما يفاقم أزمة الغذاء والدواء والوقود، ويُبقي القطاع في حالة انكماش إنساني مستمر.

كما يشير المكتب الإعلامي الحكومي إلى استمرار القيود على إدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة، إلى جانب عدم فتح معبر رفح بشكل كامل، وهو ما يعرقل عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار الأولية.

إعادة إنتاج الفوضى
بالتوازي مع الأزمة الإنسانية، تكثف القوات الإسرائيلية استهداف عناصر الشرطة في غزة، في ضربات تقول إنها تستهدف “تهديدات أمنية”، بينما يرى الفلسطينيون أنها جزء من تفكيك أي بنية استقرار داخلية.

ويعتبر محللون فلسطينيون أن هذه العمليات ليست منفصلة عن السياق العام، بل تأتي ضمن محاولة إبقاء القطاع في حالة سيولة أمنية دائمة، تمنع إعادة بناء سلطة مدنية مستقرة.

ويقول الباحث السياسي أحمد الطناني إن استهداف الشرطة يهدف إلى "منع أي استعادة للنظام العام ودفع القطاع نحو الفوضى"، مشيرًا إلى أن الهدف الأعمق هو جعل البيئة المعيشية غير قابلة للحياة، بما يدفع السكان نحو النزوح.

حدود تتحول إلى واقع تقسيمي
من أبرز مظاهر التحول في طبيعة الحرب، توسع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط افتراضي بدأ يتحول تدريجيًا إلى واقع ميداني عبر تثبيت حواجز إسمنتية وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية.

وبحسب تقديرات ميدانية، أضافت إسرائيل نحو 37 كيلومترًا إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، ما يرفع نسبة السيطرة إلى نحو 60% من مساحة قطاع غزة، وفق محللين، في تحول يُعيد رسم الخريطة الداخلية للقطاع ويحدّ من الحركة بين مناطقه.

ويمتد هذا الخط بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويُعامل كمناطق خطرة خاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة، ما يحول أجزاء واسعة من غزة إلى مناطق شبه معزولة.

غياب الحكم المدني
وتعاني اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي أُنشئت ضمن إطار "مجلس السلام" المدعوم أمريكيًا، من شلل فعلي، وسط منع إسرائيلي لدخول أعضائها إلى القطاع، وفق تقارير متطابقة.

ويرى محللون أن تعطيل عمل اللجنة يهدف إلى منع أي انتقال نحو إدارة مدنية فلسطينية مستقرة، والحفاظ على فراغ إداري يتيح استمرار السيطرة العسكرية غير المباشرة.

ويؤكد خبراء أن فصل الخدمات المدنية عن الواقع الأمني في غزة بات شبه مستحيل، ما يجعل أي حديث عن إعادة إعمار أو استقرار رهينًا بإرادة الاحتلال على الأرض.
في السياق ذاته، تربط إسرائيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق بملف نزع السلاح، وهو ما تعتبره أطراف فلسطينية شرطًا سياسيًا أكثر منه أمنيًا، يُستخدم لتبرير استمرار الوضع القائم.

وترى تحليلات إسرائيلية أن الهدف من هذا الشرط هو تفريغ القطاع من أي قدرة دفاعية، بما يضمن إعادة تشكيله كمنطقة خاضعة لإدارة أمنية مشددة، دون الوصول إلى انسحاب كامل أو تسوية سياسية.
حرب جديدة بأدوات مختلفة

ما يجري في غزة اليوم لا يُوصف فقط كاستمرار للحرب، بل كتحول في شكلها. فبدل العمليات العسكرية الواسعة، باتت السيطرة تُمارس عبر أدوات مركبة: حصار اقتصادي، استهداف أمني انتقائي، إعادة هندسة جغرافية، وتقييد إداري شامل.

وبينما تُطرح في الخطاب السياسي عناوين مثل "التهدئة" و"إعادة الإعمار"، يعيش القطاع واقعًا مختلفًا، حيث تتداخل الحرب مع الحياة اليومية، وتتحول تفاصيل المعيشة إلى أدوات ضغط، في نموذج يوصف بأنه “صراع مستدام” أكثر منه هدنة حقيقية.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير