“اتركونا نُكرم موتانا”… طافش أبو حطب يدفن غزة وألمه لا يُدفن!

الرسالة نت- خاص

في غزة، حيث لم تعد الحياة تُقاس بعدد الأحياء بل بعدد الذين يُوارَون الثرى، يقف الحانوتي طافش أبو حطب على حافة مهنةٍ لم تعد كما كانت. 

منذ ثلاثين عامًا وهو يعمل في هذه المهنة، لكن ما يعيشه اليوم، كما يقول، “لم يشهده العمر كله”.

يقول بصوتٍ مُتعب: “اختلف الوضع بعد التهدئة… لكن الموت لم يتوقف. في اليوم ندفن ستة أو سبعة شهداء، بينما في الإبادة كنا ندفن خمسين أو سبعين شهيدًا… وأحيانًا مئة شهيد في اليوم الواحد.”

لم تعد مهمته تقتصر على تجهيز القبور، بل أصبحت مواجهة يومية مع عجز الناس. القبر، الذي كان يومًا تفصيلًا أخيرًا في رحلة الفقد، صار عبئًا لا يُحتمل.

“ثمن القبر 700 شيكل”، يقول، “لكن كثيرًا من العائلات لا تملك حتى عشرة شواكل. رأيت عائلة فيها ثلاثون شابًا… ولا يملك أيٌّ منهم ما يدفعه لدفن ميتهم.”

في تلك اللحظات، لا يكون طافش أبو حطب مجرد عامل في مهنة، بل شاهدًا على انهيار المعنى نفسه للكرامة الإنسانية.

“نحن لا نريد طعامًا ولا شرابًا”، يضيف، “نريد فقط أن نُكرم شهداءنا… هذا كل ما نطلبه.”

يحكي عن حلولٍ وُلدت من القهر: غرف تُستخدم لدفن الموتى جماعيًا، في محاولة لتجاوز كلفة القبور الفردية، لكنها، حتى هذه، ليست متاحة للجميع.

بين واجبه المهني ومسؤوليته كأب، يقف الرجل ممزقًا. هو يُعيل خمسة عشر فردًا في بيته، ويحتاج أن يطعمهم، لكنه يعرف أيضًا ما يعنيه أن تقف عاجزًا أمام جثمان عزيز.

“أنا أب لشهيد… وأخ لشهيد”، يقولها دون أن يرفع صوته، كأن الكلمات أثقل من أن تُقال. “وأعرف جيدًا ماذا يعني أن لا تستطيع دفنه.”

لذلك، يتخذ قراراته خارج الحسابات المعتادة: أحيانًا يتجاهل ثمن القبر تمامًا، وأحيانًا يتقاسم الكلفة مع العائلة، وأحيانًا ينتظر “أهل الخير” ليتكفلوا بما لا يستطيع الناس دفعه. لكن حتى هذه الحلول لم تعد تكفي.

يتوقف قليلًا، ثم يستعيد واحدة من أكثر اللحظات قسوة التي عاشها: “في منتصف الحرب… دفنت 38 شهيدًا من عائلتي، عائلة أبو حطب. بناية كاملة سقطت فوقهم. 28 منهم كانوا أطفالًا ونساء.”

يصمت، وكأن المشهد لا يزال أمامه. ثم يسأل، لا كصحافي، ولا كعامل، بل كإنسان أنهكه السؤال: “لماذا يموت هؤلاء؟”

في غزة، لم يعد السؤال يُطرح بحثًا عن إجابة، بل كنوعٍ من البقاء.

يرفع طافش أبو حطب نداءه الأخير، نداء لا يحمل مطلبًا سياسيًا ولا شعارًا كبيرًا، بل حاجة إنسانية بسيطة: “أناشد هذا العالم أن يتوقف… أن يتركنا ندفن شهداءنا برحمة وبحرية.” ثم يضيف، وكأن الخلاصة لم تعد تحتاج تفسيرًا: “لم يعد في غزة شيء يدعو للأمل… حتى القبر صار غاليًا!”