من النابلسي للنويري.. مشقة الطريق في غزة المحاصرة

الرسالة نت - غزة

 

 

في غزة، لم يعد الوصول إلى العمل مسألة تتعلق بالوقت أو الالتزام، بل تحوّلت إلى معركة يومية تُخاض على دروب متهالكة، وأحيانًا تحت رحمة رصاصة قد لا تفرق بين مدني ومقاتل.

هنا، حيث تنقلب الجغرافيا إلى فخ، والمسافة إلى ساحة اختبار لقوة التحمل والصبر، تبرز معاناة مئات الموظفين والعمال من سكان شمال قطاع غزة، وهم يشقون طريقهم يوميًا نحو الجنوب.

منذ استئناف الحرب على غزة في مارس، أُغلق شارع صلاح الدين بالكامل بأوامر الاحتلال الإسرائيلي، ليتحول إلى خط فاصل يقطع أوصال القطاع بين شماله وجنوبه. لم يتبقَ أمام المواطنين سوى طريق البحر، وهو الطريق الوحيد المتاح، لكنه مفتوح على احتمالات الموت.

من غزة ، يخرج الموظفون قبل شروق الشمس. وجهتهم الأولى: دوار النابلسي. ومن هناك تبدأ الرحلة الفعلية – ليس بالسيارات أو الحافلات، بل على عربات يجرّها الحيوان، أو تكتك صغير يهتز بهم ويرهق صحتهم.

المسافة بين دوار النابلسي ومنطقة “تبة لنواري” عند مدخل النصيرات تُقدّر بنحو 7 كيلومترًا. وعلى هذا الامتداد الساحلي البدائي، يتنقل الناس بأدوات بدائية لا تليق بعصرنا، لكنها أصبحت الحل الوحيد لمن أراد الوصول إلى عمله في الجنوب. التكتك قد يتعطل في منتصف الطريق، والعربة البطيئة قد تتأخر لساعات، ومع ذلك يختار الناس هذا الخيار لأن لا خيارات أخرى.

يقول الطبيب علاء ماضي الذي يعمل في نقطة طبية  بخانيونس: “أحتاج إلى أكثر من 50 شيكل يوميًا فقط لأصل إلى مكاني. الأمر الذي يمثل عبئًا حقيقيًا، خاصة إذا ما تكرر على مدار شهر كامل. في بعض الأيام، أضطر للاقتراض فقط لأصل إلى عملي.”

أما تسنيم الشريف وهي موظفة لوجستية في المشفى البريطاني، فتروي معاناتها اليومية قائلة: “أستيقظ قبل الفجر. أصلي، أجهز حقيبتي، وأبدأ رحلة الخروج من المنزل. أحتاج إلى ثلاث ساعات كاملة تقريبًا لأصل إلى خانيونس. أحيانًا أصل متعبة، مرهقة من الطريق قبل أن أبدأ عملي حتى.”

هؤلاء ليسوا حالات فردية، بل قصص متكررة لعشرات وربما مئات من أبناء الشمال الذين حظوا بوظائف في جنوب قطاع غزة وسكنهم في شمال القطاع، ما زالوا ملزمين بالعودة إلى الجنوب يوميًا، فقط لأن العمل هناك… والراتب – إن وُجد – هناك.

ما يفاقم هذه المأساة هو أن طريق البحر، رغم كونه المنفذ الوحيد، لكنه ليس آمنًا، يمكن أن يستهدفه الاحتلال في أي لحظة ويمكن أيضاً أن يغلق هذا الطريق في وجه الموظفين .

تحوّلت الوظيفة في غزة من مجرد وسيلة لكسب الرزق، إلى ملحمة يومية تُمتحن فيها إرادة الإنسان. الطريق إلى العمل، الذي كان يومًا ما روتينًا بسيطًا، أصبح مسارًا مليئًا بالمخاطر الجسدية والنفسية والمالية. الموظف الغزي بات يتحمل ما لا يُطاق، فقط ليبقى في مكانه، وليقول إنه لا يزال صامدًا رغم كل ما يُسلب منه.