"التحانين" و"المديح النبوي".. كيف كان يستقبل الفلسطينيون الحجاج؟

غزة - مها شهوان

لا ينتهي عيد الأضحى بانقضاء أيامه الأربعة، بل تستمر طقوسه باستقبال الحجاج بعد تأدية مناسك الحج، حيث الأهازيج والتحانين الشعبية للاحتفاء بهم، وفي المقابل يحمل الحجاج العائدون الهدايا وعشرات الدعوات الصادقة لمحبيهم.

ولأن كل شيء في فلسطين له نكهته المميزة، لاتزال الأجيال تحفظ الطقوس القديمة، رغم التعديلات التي طرأت عليهم بفعل الزمن.

منذ عقود قليلة كانت رحلة الحج محفوفة بالمخاطر وتستغرق عدة شهور، ودرج الناس في فلسطين على وداع الحجاج، ثم استقبالهم محتفلين بعودتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

وكانت كل قرية تجتمع وتودع الحجاج بغناء حزين خوفا من مشقة الرحلة وشوقا للكعبة مصحوبا بوصايا الدعاء والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم.

وتوارثت الأجيال عادة شهيرة في وداع الحجاج يقوم بها النساء، وهي ما تعرف بـ (التحانين) أو (الترويدة)، وهي عبارة عن أناشيد وأهازيج لتوديع الحجاج، و(التحانين) يتضح من اسمها أنها تعبر عن شوق الجميع لأداء فريضة الحج، حيث تتجمع السيدات في منزل من ستذهب للحج، ويجلسن في صفين متقابلين أو في شكل دائري مرددات الأهازيج، ومن هذه الأهازيج:

يا زايرين النبي خذوني في محاملكم.. لا أنا حديد ولا روباص أثقِّلْكُمْ".

وكذلك: "خُذوني خُذوني يومٍ نَويتوا عالسّفَر.. لا تتركوني يحفظكم رب السما"، ومنها أيضاً: "ناموا ناموا ناموا وعيوني ما بتنام.. على بير زمزم نصبوا الخيام".

كما وأن التحانين جاءت تسميتها من دعوة المودعين للحاج المسافر" الله يحنن عليك" في طريق سفره.

وتتناول أناشيد التحانين كذلك وصايا للحاج والحاجة في السفر "اعملوا للحجة خبز وزعتر حتى في السفر ما تتعثر" ثم أناشيد السلام على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومدحه ومدح زواره.

قديما، مع اقتراب عودة الحجاج بعد أشهر من عيد الأضحى تشعل المشاعل وتطلى البيوت بالشيد وتزين بورق النخيل، وفور وصولهم تذبح الذبائح وتغنى الأهازيج.

ومع تغير الزمن، لا تزال هناك قرى وبلدات في الضفة المحتلة تقيم التحانين والطقوس القديمة في وداع الحجاج واستقبالهم.

وفي العقدين الأخيرين، تبدلت الطقوس مع محافظتها على القديم، فحلت في غالبية المدن والقرى الفلسطينية الموالد النبوية وهي "مدائح في حب الرسول" تقام قبل الحج وبعده لدى الرجال، وتقام بالمنازل مع تقديم الحلوى والقهوة.

أما النساء فيكتسين بملابس بيضاء اللون، ويتجمع في منازلهن الأهل والجيران، ويقمن بعمل المولد في منزلها، حيث يتشاركن في الأناشيد الشعبية والدينية والنبوية والأهازيج الخاصة بالحج، ويرددن الأدعية والابتهالات أيضاً، فيما تقتصر مراسم توديع الحجاج من الرجال على المصافحة وطلب الدعاء، ويطلب الحاج من المودعين المسامحة عما سبق.

وبعد عودة الحجاج توزع الهدايا ويسقى الحاضرون من ماء زمزم الذي كان قد جلبه الحاج معه من الديار الحجازية فيزيد الناس تعلقاً بالكعبة المشرفة وتطلق الأفئدة والألسنة الدعاء لله سبحانه بأن يكتب للحاضرين أداء فريضة الحج في الموسم القام.

الاستقبال حاضرا.. هدايا وجداريات

في السنوات الأخيرة، بدأت التحانين تتلاشي، واختلفت مظاهر الاستقبال حيث تعليق الزينة بالورود وكتابة عبارات الترحيب بالحجاج على الجدران والمباركة وتقبل الفريضة للحجاج.

واقتبس الفلسطينيون عادة الكتابة على الجدران من المصريين، كوسيلة للإعلان عن أداء صاحب المنزل لفريضة الحج، وبحسب ما ورد في موقع مكتبة الإسكندرية فإن ألوان طلاء الجداريات والكتابات من خامات الجير والغراء تمتاز بكونها زاهية صريحة تعبر عن مظاهر الفرح والسعادة بعودة الحجيج، وتتكون من آيات قرآنية صغيرة وعبارة الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما يتم رسم مشاهد مقطعية من صورة الكعبة المشرفة ومقام النبي صلى الله عليه وسلم وغار حراء.