في الذكرى الــ15 للاندحار

3 طلقات استقرت أمام "محمود" و"أبو هولي" كان ملهمًا له!

الكاتب محمود جودة
الكاتب محمود جودة

الرسالة نت _أمل حبيب

على الرصيف اتخذ محمود مكانًا له، لم يفارقه القلم ومفكرة صغيرة يضعها في باطن كفيه، ينشغل بالكتابة حتى يسمح له بعبور "أبو هولي"!

ظلال النخيل وطوابير السيارات المنتظرة كانت تبتلعه تباعًا، فيختفي بين الزحام، لم يدرك محمود وقتها أن هذا الحاجز سيكون مصدر إلهام جديد له!

"هنا كِدت أن أموت، عندما نهرني الجندي بثلاثة طلقات استقرت أمام قدمي، كي أصعد إلى السيارة، وقتها، مللت الجلوس وأردت الحركة"، لم ينس الكاتب محمود جودة هذا المشهد على حاجز أبو هولي، كما أن حبة البرتقال التي كادت أن تودي بحياته ظلت عالقة في ذاكرته كما تركها عالقة على الشجرة!

اختبار ورسوب!

"الساعة الآن السابعة والنص صباحًا، اليوم هو موعد اختبار مصطلحات نفسية باللغة الإنجليزية، باقي نصف ساعة على موعد الاختبار، وأنا في حيرة كبيرة، بين الجندي الذي يمد سيقانه من شباك برجه العسكري ويشرب ما أظن أنه قهوة، وبين أستاذ المادة الذي يأنف التأخير عن المواعيد، ويرفض أن يدخل القاعة أحد بعده" يسرد "للرسالة" بعضًا من الذكريات هناك والتي وثق الكثير منها ضمن مجموعات قصصية له، ثم مازحنا معلقًا " لقد رسبت في المادة، فلم ألحق الامتحان وقتها".

محمود كان يضطر يوميًا للتوجه من مدينته رفح جنوب القطاع إلى كلية علم النفس بجامعة الأزهر بغزة، لابد لهذا الطالب كغيره من الطلبة والمسافرين والركاب المرور من حاجز أبو هولي الفاصل بين جنوب القطاع وشماله، الفاصل أيضًا في ذاكرة الفلسطيني قبل اندحار المحتل من غزة!

"الحاجز مغلق، وأنا لم أنم إلا سويعات، لم أستطع المذاكرة" تكررت هذه العبارات بين محمود ورفاقه، طيلة فترة دراستهم الجامعية قبل ما يزيد عن 15 عامًا، كما تكرر أمامهم مشهد الجندي وهو يلوح للسيارات، ويطلب منها المرور عبر مكبر الصوت!

مصدر إلهام!

ذات الطريق التي كانت تسلكها السيارات، سلكتها " الرسالة" مع محمود، كان يشير بسبابته للبساتين التي كانوا يستظلون تحتها، يؤكد لنا الكاتب أن كل لحظة قضاها على الحاجز، هي مادة للكتابة، فالحاجز امتد إلى حياته بكل تفاصيلها، "فهو الذي يتحكم بمعاد نومنا وصحونا (...) الحاجز كان يتحكم في اللقاء والوداع وحفلات الزفاف ومواعدة الأحبة".

ثم مرت أمامنا جملة، كأنها تلك الغصة العالقة داخل قلب كل فلسطيني حيث تابع قائلًا: "ما أخشاه، أننا لا نزال نعيش على الحاجز، ولم نعبره بعد!".

عند الحديث لكاتب له مؤلفات ومجموعات قصصية كــ "غزة اليتيمة"، و "رسائل إلى بغداد"، ورواية قيد الطبع بعنوان "حديقة السيقان"، كان لابد لنا ألا نغفل ذاك السؤال "ماذا تعني لك كلمة حاجز؟، ثم ماذا أخذت منك؟"

الحاجز بالنسبة لمحمود ذاك الطالب الجامعي يعني توقف كل شيء، ضياع الوقت والجهد والمستقبل أمام عينيك دون أي قدرة على الفعل.

ينفث محمود أعقاب سيجارته واضعًا يداه على حاجز لنقطة للشرطة الفلسطينية مقامة على أنقاض أبو هولي، ويكمل اجابته عن سؤالنا:" الحاجز هو انتظار يطول دون معرفة متى سوف يأخذ الجندي قرارا يحرك فيه شفتيه أو يديه أو حتى قدميه، المهم أن يتحرك الجندي ليقول لنا: امشوا".

يدرك ابن رفح كما غيره ممن انتظروا لساعات على "أبو هولي" أن الحاجز، كلمة تُلخص الاحتلال بكل ما يحتويه من عنجهية وظلم ورغبة في تحويل حياة الفلسطيني شبه الطبيعية إلى جحيم.

كي لا ننسى!

يلتقط اليوم محمود صورًا له على الحاجز، لكنه الآن يبتسم لعلم فلسطين الذي يرفرف فوقه، ولحلم كل مقهور كان يتساءل قبل 15 عامًا "هل سنمر يومًا بكرامة من هنا"!

كي لا ننسى يكتب محمود عن ذاك التاريخ وتلك السنين، يريد أن يخبر طفلته بغداد كيف أوقفهم الجنود ذات مرة وهم عائدون من الجامعة، وأنزلوهم من السيارة، وطلبوا من السائق أن يعود؛ لأنه لم يكن يحمل مسبحة، في السيارة، هنا سَخِر منهم الجنود!

سيخبرها أيضًا وهي تمر في طريقها لمنزل جدها في رفح، أنه كان هنا حاجز اسرائيلي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، سيقول لها :" يا ابنتي كنا نبيت الليالي الطويلة بين أشجار البرتقال، وفي السيارات (السبعة راكب)، هنا وُلِدَ الكثير من الأطفال، واعتقل الأكثر.

يختم محمود جودة ذكرياته على حاجز الموت أبو هولي بأسلوب كاتب نضج قلمه بعد تتابع النكبات "هنا ماتت قصص حب كثيرة، وخُلقت قصص أكثر، هنا تاريخ كامل من "الكارثة والبطولة" هنا تنمو الأشتال على كومة كبيرة من الذكريات، والدموع"!