تتمترس حركة فتح وراء قرارها عقد الانتخابات الفلسطينية بأشكالها المختلفة (تشريعية-رئاسية-مجلس وطني) بشكل متتابع وليس متزامنا كما تريد الفصائل الفلسطينية، ما يدفع للتساؤل عن سبب إصرار فتح على ذلك.
وكان رئيس سلطة حركة فتح محمود عباس قد دعا لإجراء انتخابات شاملة وذلك في خطابه الأخير على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبغض النظر عن عدم التناسب بين الحديث ومقامه، فإن من الواضح أن فتح اختبأت خلف تفاصيل عقد الانتخابات بالتزامن –كما يريد المجموع الوطني- أم التتابع.
ويتضح من سياسات رئيس سلطة فتح محمود عباس خلال السنوات الماضية، في التضييق على الحريات والعمل المقاوم في الضفة، وعلى سكان قطاع غزة من خلال فرض العقوبات الاقتصادية التي شملت أبناء حركة فتح، إن فرص فتح بالفوز في الانتخابات تبدو ضعيفة، فلذلك تسعى إلى الاكتفاء بالانتخابات التشريعية كاختبار لشعبيتها.
وقد تجد حركة فتح ضالتها في تمسك الفصائل وبما فيها حماس بمسألة تزامن الانتخابات كجزء من تفاهمات المصالحة التي جرى التوصل إليها في العاصمة المصرية القاهرة، للتهرب من الانتخابات بتعنتها بالوقوف على مبدأ التتابع وليس التزامن.
وثمة من يرى أن فرص نجاح مهمة لجنة الانتخابات في غزة ضئيلة، إن لم تكن معدومة، في ظل ترحيب غالبية الفصائل الفلسطينية بإجراء الانتخابات بشكل متزامن تشريعي ورئاسي ومجلس وطني كطريق أخير لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.
وكانت حركة حماس قد دعت محمود عباس إلى إعلان موافقته على مبادرة الفصائل الثمانية لإنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة، التي تم التوافق عليها قبل شهر، بوصفها "مدخلاً مناسباً لتوفير الأجواء لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، والاتفاق على موعد لانتخابات المجلس الوطني".
وفي التعقيب على ذلك، يرى الكاتب والمحلل السياسي حماد صبح أنه ظُن في البداية أن الانتخابات العامة التي دعا إليها عباس على منبر الأمم المتحدة ستكون تشريعية ورئاسية ومجلسا وطنيا بالتزامن أو بالتتابع المتقارب، فإذا بنا نسمع أنها ستبدأ بالتشريعية، وبعد زمن ما ستتم الرئاسية، وتليها انتخابات المجلس الوطني.
وأوضح صبح في مقال له أنه بعد الإعلان عن الانتخابات أوضحت فتح أن أبو مازن هو مرشحها للرئاسية، وفتح تعلم وكل الفلسطينيين يعلمون أن لا أمل في نجاح أبو مازن في الانتخابات الرئاسية، وانعدام الأمل هذا يوجه إلى استحالة إجراء هذه الانتخابات.
وبيّن أن المؤكد وفق استطلاعات الرأي وملاحظات المراقبين أن فتح لن تفوز في التشريعية، وعدم فوزها سيمنع بدوره التوجه للانتخابات الرئاسية، قائلا: "لن تغامر بمواجهة فشلين، وسيحدث ما حدث بعد انتخابات يناير 2006 التي انهزمت فيها أمام حماس التي فازت ب 78 مقعدا من مقاعد التشريعي ال120"، فما الذي يدفع عباس وفتح إلى انتخابات فشلهما فيها محتوم محسوم؟! إذن ليبقَ الحال على ما هو عليه لما فيه من ملاءمة تامة لهما! –وفق قوله-.
وفي هذا السياق، أكد عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" خليل الحية أن الحركة ترحب بالانتخابات الوطنية الشاملة، ومستعدة لخوضها وإنجاحها، مضيفا "جاهزون للانتخابات الوطنية الشاملة بلا مواربة، ومن يحاول الصيد في الماء العكر فهو مخطئ".
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني أن حركة فتح تصر على الانتخابات التشريعية كمرحلة أولى دون ربطها ببقية الانتخابات الرئاسية والمجلس الوطني، في محاولة منها إلى استطلاع النتائج ومعرفة اتجاهات الجمهور بعد مرور 13 عاما على آخر انتخابات.
وقال الدجني في اتصال هاتفي مع "الرسالة" أن لدى حركة فتح تخوفات كثيرة تمنعها من إجراء الانتخابات بشكل متزامن، أولها تكرار الصدمة بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وكذلك قائمة التيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، وثانيها إعطاء شرعية جديدة لحركة حماس أمام المجتمع الدولي.
وأضاف أن من ضمن التخوفات حصول توافق وطني بين حركة حماس وتيار دحلان على الأقل في سبيل دعم شخصية للانتخابات الرئاسية بما يضمن فوزه، ومن شأن ذلك إقصاء محمود عباس بصفته مرشح حركة فتح.
وأكد أنه لا يوجد أي ضمانات لإجراء انتخابات رئاسية ومجلس وطني بعد عقد انتخابات التشريعي في حال لم يكن الفوز من حليف قائمة حركة فتح، ومن خلال ذلك قد تتنكر فتح لاستكمال خارطة الانتخابات بالتتابع كما تريد، تحت أي ذريعة ومن أبرزها عدم إجراء الانتخابات في مدينة القدس.
ومن المقرر أن تزور لجنة الانتخابات المركزية برئاسة حنا ناصر قطاع غزة خلال الأيام القليلة المقبلة لعقد لقاءات متعددة مع الفصائل والقوى والمؤسسات الفلسطينية بغزة، في سياق التشاور مع جميع الأطراف لعقد الانتخابات خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في سياق تكليف الرئيس محمود عباس لرئيس لجنة الانتخابات بالتواصل مع القوى والفصائل والفعاليات والجهات المعنية من أجل التحضير لإجراء الانتخابات التشريعية، على أن يتبعها بعد بضعة أشهر الانتخابات الرئاسية، وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، تزامناً مع تشكيل لجنة من تنفيذية منظمة التحرير ومركزية فتح لمتابعة ملف الانتخابات.