- وين رايح يا علاء؟
- عند هداية يا ستي
- كل هاد بتحبها بتروح عندها أربع مرات في الأسبوع
- انتي يا ستي ما كانش سيدي يحبك هيك؟
- ايييييييه يا علاء.. سيدك كان يحبني على قد ما بيحب شوارع قرية برير.. على قد ما اشتاق يا حبيبي لحاراتها وأشجارها وعقودها.. على قد ما في هالمخيم وجع وأسرار
كانت الجدة تعلم كم نزف قلب علاء انتظارًا كي يرتبط بهداية، في مدينة الحصار التي أذابت قلوب ساكنيها وجعًا وفقرًا.. تمامًا كما تعلم أن قواميس الحب هنا مختلفة!
فحين يسأل "علاء" خطيبته "هداية" أنه "إذا بترت قدمي أو يدي في مسيرات العودة هل تتركينني؟"، تكاد تظن أن أهل غزة يملكون معجمًا خاصًا.
فربما تمنى "علاء الخطيب" ذو السبعة والعشرين عامًا أنه لو ولد في قرية "برير" كما جده الذي ارتبط بجدته هناك، وأقام عرسه على أحد سهولها.
وربما أراد لو يبدلون بحر غزة بقطعة أرض في بلاده البعيدة.. لو أخذوا منه كل رائحة البحر وسفن الصيد وأعطوه ظل شجرة "بلوط" في قرية أجداده.
كان "علاء" سيقيم عرساً طيبًا كقلبه، ليعلن أنه تحدى كل البؤس الذي خيم على غزة، ويعيش مع عكازته التي يتكئ عليها في سوداوية الحياة.
"هداية الخطيب" عروسه التي اختارها بعمر العشرين وقد عاهدته على أن تبقى ظلاً وبحراً وشجرةً له إلى حين العودة إلى "برير" قبل أن يرحل أبدًا تاركًا لها الأحلام معلقةً والصبر ووردتين ذابلتين.
عبر طاقة في حائط بيت "علاء" وقف وأمه يتبادلان أطراف الحديث عن زوجة عمه في اليوم الذي يسبق استشهاده، فقالت أمه: "انت يما مش لاقي تيجي غير بيوم النكبة"، فضحك ورد عليها: "قبل النكبة بيوم انولدت بس يمكن يكون يوم ميلادي يوم النكبة".
صدق "علاء"! فما وصفت أمه فراقه بوصف أكثر من "نكبة لقلبي"، كيف لا! وهو الحنون الذي يلبي رغباتها قبل أن تتفوه بها، فلا حاجة للإلحاح في طلباتها.
كان علاء على موعد مع احتفاء "هداية" بعيد ميلاده يوم الرابع عشر من مايو، مرسلًا لها: "سينتهي عام أحببتك فيه وسيبدأ عامًا أحبك فيه أكثر"، لكنها كانت الضحكات والتفاصيل الأخيرة!
في غرفة مقابلة لجلوس "الرسالة" في بيت الشهيد "علاء" كانت تبني أمه الأحلام فيها "طوبة طوبة"، بعد أن أخبرت أبناءها أنه الوحيد الذي سيسكن معها في البيت.
لطالما تخيلت "أم علاء" أجواء فرح "ابنها البكر" وركض أبنائه في أرجاء بيتها قبل أن تهدم رصاصات الاحتلال كل الأحلام التي شيدتها في قلبها.
الصغار هناك قبل الكبار كانوا يتجهزون لفرح "علاء" فهو حبيبهم الذي لم تكن ضحكاتهم تعلو إلا بوجوده بينهم، بينما بات الآن ذكرى تؤرقهم وتؤلمهم.
وردتان ذابلتان كانت قد وضعتهما "هداية" على رف كتبها في غرفتها، كان "علاء" قد أهداها إياهما وبجانبهما صورها التي كان يحتفظ بها قبل أن تغدو الأحلام رمادًا يحرق قلبها.
"على الأرائك متكئين زال التعب وتم النعيم فطاب الاتكاء" كانت من الرسائل التي أرسلها "علاء" إلى خطيبته "هداية" التي قرأتها والقهر يملأ ثنايا وجهها الذابل، قائلة: "علاء ارتاح وتركني أنا بتعب كبير".
"عكازتي" الذي كان ينعت "علاء" به خطيبته كونه طويل القامة وهي قصيرة، كانت تدرك أنه يقصد بهذه الكلمة أيضًا "المتكأ" والسند في ظل حياة غزة البائسة.
كانت تعلم "هداية" أن الأفراح في هذه البلاد النازفة منقوصة، وأنها لن تكتمل طالما هناك جرح في كل بيت فلسطيني.
لكن الذي لم تكن تعلمه أن التفاصيل الصغيرة التي نسجتها مع "علاء" ستبدو في قلبها بعد رحيله حملًا ثقيلًا على قلبها.
كما لم تكن تعلم أنه في الواحد والعشرين من آذار، ذاك اليوم الأول من ارتباطها بـ "علاء" والمصادف ليوم الأرض، والذي وهبها علاء به قلبه، كان يتوجب عليها هي أن تعاهد الأرض أن تهبها أرواحهما وعمرهما.
على الحدود الشرقية لمدينة غزة، ذهب "علاء" ليشارك في مليونية العودة يوم الاثنين، لكنه بمجرد وصوله قنص جندي إسرائيلي يختبئ خلف أتلال الرمال فتاة أمامه.
علاء كان برفقة أبناء عمه الذين افترشوا الأرض وقت أن استشرس الجنود وراحوا يطلقون نيرانهم هناك وهناك.. فقام "علاء" ليسحب الفتاة الجريحة وينقلها إلى الإسعاف غير أن رصاصة غادرة كانت أسرع منه.
إلى مستشفى الشفاء وصل "علاء" برفقة ابن عمه "سيف" ذي العشرين عامًا، حيث كانت باستقبالهم أخت الشهيد "علاء" التي كانت ضمن فريق الممرضين المتطوعين لتفجع بأن المصاب الذي يرافقه ابن عمه هو "أخوها".
مراسم الأفراح ستؤذي قلب "هداية" بعد اليوم، كما صور يوم خطوبتهما ستصبح ذكرى أليمة، ستهرب من كل موطئ قدم في بيتها كان "علاء" قد داسه.. والفستان الأبيض الذي كان أقصى مناها سيبدو باهتًا جدًا في عينيها المرهقتين!
كما سيبقى سؤال يؤجج الأوجاع في صدر أمه: "لم ذهبت كل الأحلام مرة واحدة؟ كيف تتحول الزغاريد في غزة من فرحة إلى حزينة جدًا؟ بماذا سيشعر قلبي يوم أن يأتي اليوم الذي حجز فيه علاء قاعة فرحته وقد غيب الآن تحت التراب؟".