على الرغم من أن الخطاب الذي ألقاه رئيس السلطة محمود عباس أمام المجلس المركزي قد انطوى على الكثير من المفارقات والعجائب، إلا أن أحدها تمثل في دفاعه عن مواصلة التواصل مع ما أسماه بـ "معسكر السلام" الإسرائيلي، أي معسكر اليسار.
وكشأن الكثير من رهانات عباس، يبدو هذا الرهان مستهجنا وغير منطقي بالمطلق. فالمعارضة "اليسارية" في (إسرائيل) لم تجد مجالا للتمايز عن حكومة بنيامين نتنياهو، التي توصف بأنها الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة العبرية، إلا عبر المزايدة عليها من خلال الدعوة إلى اتخاذ إجراءات عسكرية أكثر قسوة ضد قطاع غزة.
وقد كان من اللافت أن آفي جباي زعيم حزب العمل، الذي كان يصف نفسه في يوم من الأيام أنه ممثل "معسكر السلام"، يكاد لا يفوت فرصة خلال خطاباته مؤخرا دون مهاجمة نتنياهو بسبب "تقاعسه" عن مواجهة حركة حماس بشكل يفضي إلى وقف عمليات إطلاق القذائف الصاروخية على القطاع. ويأتي نهج جباي هذا، مع إدراكه أن حكومة نتنياهو تستغل عمليات إطلاق القذائف التي تتم من قطاع غزة، التي لا تنفذها حماس، ولا تتسبب في ضرر يذكر لـ(إسرائيل)، في تبرير مهاجمة أهداف استراتيجية لحركة حماس.
وقد عكف جباي على وصف نتنياهو بأنه "ضعيف في مواجهة حركة حماس"، وذلك ردا على الشعار الانتخابي الذي رفعه الليكود في الجولات الانتخابية السابقة بأن "نتنياهو قوي في مواجهة حماس". واتهم جباي وزير الحرب أفيغدور ليبرمان بأنه تحول إلى "معلق عسكري بدل اتخاذ قرارات حاسمة لوقف عمليات إطلاق الصواريخ".
وقد وظف جباي في الحملة على الحكومة والهادفة إلى المزايدة على حكومة نتنياهو قائد المنطقة الجنوبية الأسبق في جيش الاحتلال يوم توف ساميا، الذي انضم لحزب العمل قبل عدة أشهر. وقد نقل موقع "عروتس شيفع" عن ساميا قوله إنه يتوجب على (إسرائيل) إرسال وحدات خاصة إلى عمق قطاع غزة لمهاجمة أهداف لحماس وتصفية قيادات من التنظيم.
ويحذو يئير لبيد، زعيم حزب "يوجد مستقبل" المعارض حذو جباي وساميا، حيث أنه يدعو باستمرار إلى توجيه ضربات لقطاع غزة تضمن وضع حد لعمليات إطلاق القذائف.
أما النائب حاييم يلين، القيادي في "يوجد مستقبل" فقد دعا إلى تصفية يحيى السنوار، قائد حركة حماس في قطاع غزة. ونظرا لطابع المزايدة الذي تتسم به مواقف المعارضة اليسارية إزاء ما يجري في قطاع غزة، فقد اتهم ليبرمان خلال إفادته أمام لجنة الخارجية والأمن الأسبوع الماضي قادتها بأن كل ما يعنيهم هو الدفع بمواجهة بين (إسرائيل) وحركة حماس.
لكن محاولة قوى اليسار تجاوز حكومة نتنياهو عن اليمين لا تقتصر على المطالبة بتصعيد العمل العسكري ضد غزة، بل أيضا من خلال التقاطع مع اليمين من خلال الدفاع عن بقاء المستوطنات. فقد رفض جباي أية تسوية سياسية للصراع تقوم على إزالة ولو مستوطنة يهودية واحدة في الضفة الغربية.
ويحرص جباي وقادة حزبه على تنظيم جولات في مستوطنات الضفة للتعبير عن تعاطفه معها. في الوقت ذاته، فقد انضم جباي لوزراء ونواب اليمين الذين سخروا من الخطاب الذي ألقاه عباس أمام المجلس المركزي المنعقد في رام الله، حيث قال "الإحباط الذي اتسم به الخطاب يعود إلى تقدم عباس في العمر". ونظرا لطابع مواقفه المتطرف، فقد وصفت صحيفة "هارتس" في إحدى افتتاحيتها مؤخرا جباي بـ "الليكودي الجديد"، في إشارة إلى حرصه على منافسة نتنياهو في تبني المواقف المتطرفة.
وتدل كل المؤشرات على أن سلوك المعارضة الإسرائيلية لا ينهي فقط الفروق الأيديولوجية بينها وبين اليمين، بل سيفضي أيضا إلى إضفاء مزيد من التشدد والتطرف على مواقف الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ستحرص على ألا تبدو أقل تشددا من قوى اليسار.