لا يوجد قانون يحكمها

مراكز "تداوي بالأعشاب" .. الحبل على الغارب

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

الرسالة نت-محمد العرابيد

اليأس الذي اعترى المواطن رفعت أحمد من وزنه الزائد، دفعه إلى أحد محلات التداوي بالأعشاب وسط مدينة غزة، للحصول على (خلطة أعشاب سحرية لخفض الوزن خلال ثلاثة أشهر)، كان قد شاهد ذات يوم إعلانا تجاريا عنها على بوابة أحد المحلات.

ولأن المواطن أحمد كان يتعلق بقشة الأمل، لم يلاحظ أن صاحب المحل لم يستفسر منه عن حالته الصحية قبل إعطائه الخلطة، وكان كل ما يعنيه قبض ثمنها، الأمر الذي انتهى بالمريض على سرير المرض، بعدما أصيب بقرحة شديدة سببت له نزيفا في المعدة، هبط سريعا بنسبة دمه إلى 6، قبل أن يتم إنقاذه، ليكتشف أنه وقع ضحية لغش.

الأمر نفسه حصل مع الفتاة الجامعية أمل سمير (22 عاما)، التي حملتها قدماها إلى أحد محلات التداوي بالأعشاب، للحصول على (كريم إزالة النمش)، كانت قد شاهدت الإعلان عنه عبر موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك، ونصحتها به إحدى صديقاتها.

وهناك أعطاها صاحب محل العطارة عبوة صغيرة بيضاء لا يتعدى حجمها كف اليد، ويوجد بها كريم يميل لونه إلى الأصفر، وليس مدونا عليها الأعشاب الذي استخلص منها، ولا حتى تاريخ صلاحيتها، إنما كُتب عليها فقط: كريم قادر على إزالة النمش.

وبعد أسابيع قليلة ارتد النمش على الفتاة، وأخذ يغطي وجهها، وأدركت حينها أنها ضحية جديدة لغش مراكز عطارة، لا تراعي سلامة المواطن بقدر ما يعنيها ملء جيوبها، وهو الأمر الذي استرعى أنظار "الرسالة"، ودفعها للبحث حول طبيعة عمل مراكز التداوي بالأعشاب في غزة، وآلية منح تراخيص لهم، والكيفية التي يجري بموجبها مراقبتهم، وفيما إن كان هناك قانون يحكم عملهم، خصوصا أن خطأ بسيطا في الوصفة العلاجية يمكن أن يلحق الضرر بالمستهلك.

والتداوي بالأعشاب طب شعبي أو تقليدي يعتمد على استخدام النباتات والمستخلصات النباتية، وأحيانا يشمل منتجات النحل والفطريات، ولعلاج بعض أنواع المرض.

 تقاعس وزارات

الخلطة السحرية التي طرحت المواطن رفعت أحمد الفراش، تتاجر بها بعض محلات ومراكز التداوي بالأعشاب في غزة، وهي عبارة عن أعشاب متنوعة عادة لا يفصح عنها، كونها (تركيبة خاصة) وفق ردودهم، ولا تحمل أي أسماء للأعشاب أو حتى تاريخ انتهاء صلاحيتها.

وتختلف تركيبة "خلطات الرجيم" من محل عطارة إلى آخر، وهذا ما يضع العديد من علامات الاستفهام حول وجود رقابة عليهم، في الوقت الذي بات بعضهم يستخدم المواطنين المرضى حقول تجارب، مقابل تحقيق عائد مادي في بيع أعشابهم.

"الرسالة" توجهت مباشرة إلى وزارة الاقتصاد الوطني في غزة، وتحديدا دائرة حماية المستهلك، باعتبارها مسؤولة عن سلامة المواطن ومن مبدأ أنه المتضرر من الغش، وهناك تم تحويلنا إلى دائرة المواصفات والمقاييس في الوزارة، الأمر الذي يرجح أن هذا الملف ليس ضمن عمل دائرة حماية المستهلك، وهي أول إشكالية يواجهها معد التحقيق، في بحثه عن وجود رقابة على مراكز التداوي بالأعشاب في غزة.

الدكتور رمضان شامية مدير دائرة المواصفات والمقاييس بالوزارة، اعتبر أن التداوي بالأعشاب والعطارة موضوع خطير "يكشف عن تقاعس عدد من الوزارات في غزة عن اداء مهامها"، وفق قوله لـ "الرسالة".

وأكد شامية، وهو أخصائي تغذية، أنه لا توجد جهة فنية مختصة في وزارة الاقتصاد لمتابعة مراكز التداوي بالأعشاب والعطارة في غزة، وأن غياب جهة الاختصاص سهل انتشارها.

وأضاف: "واجهتنا مشاكل عدة من أصحاب محلات العطارة الذين يعدون أنفسهم خبراء ورثوا هذه المهنة عن آبائهم، في ظل عدم السماح لهم باستخدام بعض الأعشاب وعلاج أي مريض من خلال تركيب الدواء له". 

وأوضح شامية أن الخبرة الطويلة أو وراثة هذه المهنة، ليست كافية لأن تجعل شخصا ما يصنع دواء لمرض معين، مستدركا: "هذا الأمر لا يشفع لبعض العطارين أخطاءهم الناتجة عن تركيب بعض الخلطات".

الاقتصاد: لا توجد جهة فنية مختصة لمتابعة هذه المراكز

وعن خطورة الأعشاب، أشار إلى أن لبعضها فوائد ومضار، "فمنها ما يدمر أجهزة الجسم المسؤولة عن إخراج السموم (الكلى والكبد)، لافتا إلى أن بعض الأعشاب الضارة التي تؤخذ كأدوية، قد تسبب أمراضا وتلفا للخلايا، إضافة إلى قرحة في المعدة في حال تم استخدامها لفترة طويلة، كما أن بعضها يسبب الاجهاض للنساء وتكيْس المبايض في حال تم تناولها دون استشارة طبيب.

وأكد أن غياب الرقابة الكافية والدراية المحيطة باستخدام تلك الاعشاب في تركيب الوصفات العلاجية، يؤدي إلى إصابة بعض الزبائن بالأمراض بسبب تناول هذه الاعشاب عن جهل.

ورأى شامية أنه من الضروري تضافر الجهود من جهات الاختصاص في وزارتي الاقتصاد والصحة، وجهاز مباحث التموين، لوضع حد لانتشار مراكز التداوي بالأعشاب.

وشدد على أنه يجب زيادة الوعي لدى المواطن في غزة، وأن تمتنع هذه المراكز عن تركيب الأعشاب للمواطنين واعطائها كعلاج، قائلًا: "يجب على العطارين ضرورة الفصل في بيع الأعشاب المتداولة".

وبيّن أن الأعشاب المركبة تحتاج إلى مراكز طبية تشخيصية لعلاج الأمراض.

لا قانون يحكمها

وبعد محاولات "الرسالة" للتنقيب عن قانون ينظم عمل مراكز التداوي بالأعشاب في غزة، تفاجأنا بعدم وجود أي مادة قانونية حول ذلك، وأن وزارة الصحة كانت قد سنت عام 2011 قانونا، لكنه لم يطبق على أرض الواقع.

وكشف مصدر يتقلد منصبا مهما في إحدى الوزارات، رفض الكشف عن اسمه لـ"الرسالة"، عن عقد وزارة الصحة ورشة عمل تضم عددًا من الأطباء المندوبين من وزارة الصحة، وأطباء من جامعة الأزهر، وطبيبا من دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد.

وأوضح أن الورشة عقدت على مدار أربع جلسات، لسن قانون ووضع إجراءات لتجاوز مراكز التداوي بالأعشاب والعطارين في قطاع غزة، مؤكدًا أنه جرى صياغة القانون بعد اشكاليات عدة من قبل المشاركين بسبب آرائهم المختلفة.

ومن ذلك، استنتج معد التحقيق خطورة انتشار مراكز التداوي بالأعشاب في غزة، وأهمية وجود قانون ينظم عملها، في ظل معرفة اللجنة التي شكلتها وزارة الصحة بخطورة تركيبات الأعشاب والخطر الذي تلحقه بالمواطنين.

وأكد المصدر أنه تم الاتفاق على عدة نقاط، أهمها التزام مراكز التداوي بالأعشاب، أو مراكز الطب البديل، بأن يتوفر لديها طبيب باطنة، أو طبيب مختص في الطب البديل أو صيدلي مختص بتركيب الأعشاب والإشراف عليها.

وكشف المصدر أن بنود القانون لم تطبق على أرض الوقع لأسباب عديدة، أبرزها أن القانون يتعارض مع قانون الصيادلة التي ينص على أنه يمنع الصيدلي من صرف أي دواء دون "روشتة" من الطبيب، أو تركيب أي من الأدوية وصرفها للمرضى، كون أن مراكز التداوي بالأعشاب تدخل في إطار مسؤولية وحدة مراقبة الصيادلة، وهذا ما نفته وزارة الصحة خلال تواصل "الرسالة" معها.

جولة البحث عن المسؤول على عمل مراكز التداوي بالأعشاب، قاد "الرسالة" إلى بلدية غزة، باعتبار أنها المسؤولية عن ترخيص هذه المحلات ضمن "مهنة الحرف"، وهناك قال الدكتور رشاد عيد رئيس قسم مراقبة الأغدية والتراخيص والمهنية الصحية في البلدية، إن محلات "العطارة" تصنف لديهم ضمن الحرف الذي تمنح ترخيصا، بشرط "أن يبيع أصحابها الأعشاب كما هي، دون أن تخلط".

وأشار عيد في حديثه مع "الرسالة" إلى أن طواقم البلدية تجرى حملات رقابية على "محلات العطارة" في الأسواق فقط، وأيضا المرخصة من قبلها، "البالغ عددها 23 محلًا في مدينة غزة"، لكن خلال جولة ميدانية لمعد التحقيق على أغلب هذه المراكز، تلقى نفيا لذلك على لسان أصحابها، حين أجمع معظمهم على أن "البلدية لا تطرق أبوابهم".

وذكر عيد أن البلدية لا تعطي تراخيص لمراكز التداوي بالأعشاب، إلا بعد أن يحصل أصحابها على ترخيص معتمد من وزارة الصحة، وتحديدا من وحدة متابعة الصيدليات، "كونها تدخل في اختصاصها".

مباحث التموين: دور الرقابة على عاتق وزارة الصحة كون التداوي بالأعشاب اختصاصها

ولفت إلى أنه لم تصل البلدية أي شكاوى من المواطنين تشير إلى تركيب بعض العطارين الأعشاب وعملها كخلطات علاجية، مشيرًا إلى أن المواطن يفتقر إلى الوعي الثقافي عن الأعشاب الطبية.

ومن المهم الإشارة إلى أن المادة (31) من قانون الصحة العامة رقم (20) لعام 2004، تحظر مزاولة أي عمل أو حرفة لها أثر على الصحة العامة، إلا بعد الحصول على موافقة مكتوبة من وزارة الصحة، فيما تشدد المادة (33) على عدم جواز الترخيص لأي منشأة قبل الحصول على موافقة الصحة.

"أبو أحمد" صاحب محل تداوي بالأعشاب بحي الشيخ رضوان في غزة، قال لـ "الرسالة": "الغالبية العظمى ممن يترددون على محالات العطارة هم من النساء، بحثا عن وصفات لعلاج البشرة وتساقط الشعر، والخلطات العشبية التي تخسس الوزن أو تزيده".

ولفت أبو أحمد صاحب محل "العطارة"، وهو غير مرخص من بلدية غزة كما أبلغنا، أن كثيرا من المواطنين يلجؤون له لعمل خلطات تعالج الصلع وتخسيس الوزن، وغيرها من الأمراض، إلا أنه "يرفض ذلك كونه ليس مختصا في تركيب الأعشاب"، كما يقول.

وأشار إلى أنه يبيع الأعشاب للمواطنين كمادة خام فقط دون تركيبها بمواد كيماوية، "حتى لا يتحمل أي ضرر يلحق بالزبائن جراء خلطها".

وقال أبو أحمد: "يحضر الزبائن إلى المحل بشكل دوري، واضعين الثقة التامة بالعطار أكثر من الصيدلي، ظنًا منهم أنه صاحب تجربة علمية وخبرة طويلة في مجال العلاج والتداوي بالأعشاب".

وأضاف أن الكثير من مراكز التداوي بالأعشاب تخدع المواطنين بوصفات طبية، منوهاً أن هناك بعض الأعشاب في حال خلطها بمواد كيميائية تسبب أمراضًا خطيرة للإنسان.

 غياب الوعي

وعلى ضوء عدم وجود جهة حكومية مختصة بمراقبة عمل مراكز التداوي بالأعشاب، كان لمباحث التموين في وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة، رأيا لم يختلف على خطورة غياب القانون والرقابة على هذه المراكز.

وقال المقدم كمال أبو سلمية مدير مباحث التموين لـ "الرسالة"، إن دور الرقابة الأساسي يقع على عاتق وزارة الصحة، كون أن التداوي بالأعشاب يدخل ضمن اختصاصها.

وأوضح أبو سلمية أن اختصاص مباحث التموين يكون في حال وصول شكاوى من المواطنين بوجود غش تجاري من محلات العطارة "فقط دون أن تتدخل في عملهم ومراقبتهم".

وذكر أنهم لم يتلقوا أي شكوى من مواطنين حول وجود أي اشكالات مع محلات العطارة، عازيا ذلك إلى غياب الوعي المجتمعي، وليس لعدم وجود تجاوزات لدى هذه المحلات.

ورأي أبو سلمية أن مشكلة محلات العطارة في غزة تكمن في عدم تشكيل غرفة لمتابعتهم من وزارة الاقتصاد والصحة والبلدية ومباحث التموين، لمراقبة عملهم، إضافة إلى غياب قانون ينظم عملهم.

بلدية غزة: نرخص للعطارين بشرط بيع الأعشاب دون خلطها

عضو هيئة تدريس الكيمياء الصيدلانية والعقاقير الطبية في جامعة الأزهر وخبير في طب الأعشاب الدكتور محمد الغصين، اعتبر أن موضوع التداوي بالأعشاب في غزة أصبح أمرا خطيرا، في ظل عدم وجود رقابة من جهات الاختصاص.

وأشار الغصين لـ"الرسالة" إلى أن الكثير من مراكز التداوي بالأعشاب لا تتبع الاجراءات الصحية في الوصفات الطبية للمواطنين، مشددًا على أن استخدام الأعشاب وعمل الوصفات بحاجة إلى دراسة ومعرفة علمية، فالكمية تقرر حسب السن والوزن والحالة الصحية للمريض.

وأوضح أن استخدام بعض الأعشاب لوقت طويل يتسبب في إرهاق الكليتين بصورة كبيرة، وعواقبها تكون وخيمة، قد تصل إلى حدوث فشل كلوي.

وبيَّن الغصين احتمال أن تكون هذه الخلطة المستخدمة عشوائياً مغشوشة بأعشاب ضارة أو أعشاب عديمة المفعول، أو مضاف إليها أدوية لا تستخدم إلا بموجب تذكرة طبية، وقد يترتب على إضافة دواء أو أكثر من هذه الأدوية إلى المنتج العشبي حدوث مضاعفات مرضية، قد تصل إلى حد الخطر الشديد أو الوفاة لمن يتناولها.

وأكد أن الأعشاب الطبية آمنة فقط عند تناولها تحت أشراف متخصصين في مجال الطب والصيدلة فهم وحدهم قادرون على تحديد الجرعة العلاجية والاحتياطات الواجب اتباعها عند التداوي بالأعشاب.

ونصح الدكتور الغصين المواطنين قبل الذهاب لأي مركز للتداوي ومحلات العطارة، باستشارة الطبيب أو الصيدلي أو المتخصصين في هذا المجال لمعرفة مصدرها والجرعة اللازمة وهل تتفاعل مع أي دواء آخر أم لا.

ووفق دراسة طبية حديثة نشرت في مجلة "علم الأحياء الفطرية"، فإن الأعشاب التي تتاجر بها محلات ومراكز العطارة، قد تحوي سموما وفطريات تسبب أمراضا قاتلة.

وأوضح الباحثون في جامعة بيشاور الباكستانية، الذين أعدوا الدراسة، أنهم أجروا تحليلا لأكثر من 30 عينة من النباتات الشهيرة التي تستخدم عادة في الوصفات الطبية الشعبية، وعثروا على مركبات سامة وفطريات العفن في 90% منها.

الصحة: هذا الموضوع خارج اختصاصنا

وعبّر الباحثون عن قلقهم على الصحة العامة للأشخاص نظرا لعدم وجود رقابة فعالة على جودة وسلامة وفعالية تلك النباتات الطبية، وشرحوا كيف أن الأدوية العشبية يمكن أن تصبح ملوثة خلال مراحل إنتاجها قبل وصولها إلى الأشخاص، بما في ذلك مراحل الجمع والنقل والتخزين، وأن ما يزيد من نسبة تلوثها أنها تباع عادة في الأسوق الشعبية التي لا تحظى بالنظافة الكافية في العديد من البلدان.

واستنتاجا مما سبق، فإن حجم الضرر الذي يهدد صحة المواطن في غزة وسلامته، من غياب الرقابة على محلات العطارة ومراكز التداوي بالأعشاب في غزة، يفرض المبادرة بتشكيل لجنة وزارية من جميع الجهات الحكومية المختصة، تكون مهمتها سن قانون يوضح مهام العطارين ومراكز التداوي بالأعشاب، والرقابة عليها، وإغلاق غير المرخصة منها، إلى جانب فحص مدى أهلية أصحابها لممارسة المهنة، مع عدم إغفال رفع مستوى الوعي لدى المواطنين حولها.