"كتائب دايتون" تقلب السحر على (إسرائيل)

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

الرسالة نت- شيماء مرزوق

لم تغفل (إسرائيل) خشيتها انخراط عناصر أمن السلطة في انتفاضة القدس منذ بدايتها، خاصة وان عددهم يتخطى عشرات الألاف ولديهم أسلحة نارية متطورة نوعياً ما قد يدخل الانتفاضة مرحلة خطيرة في حال مشاركتهم بها بشكل فاعل.

لكن مخاوف (إسرائيل) كانت تبددها تصريحات قيادات السلطة وعلى رأسها محمود عباس حول قدسية التنسيق الأمني، والمشاركة الفعلية لهذه الأجهزة في قمع الانتفاضة ومنع العمليات ضد (إسرائيل).

والأهم بالنسبة لـ(إسرائيل) أنها وثقت إلى حد كبير بالجهود التي بذلها الجنرال الأميركي كيث دايتون الذي تولى مسئولية تغيير العقيدة الامنية وتدريب وتسليح الاجهزة الأمنية الفلسطينية وعمل منسقاً أمنيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 2005.

تلك الجهود التي خلقت من العنصر الامني "فلسطينيا جديدا" يرى في (إسرائيل) حليفا هاما ويوحد بوصلته معها اتجاه عدو واحد هو حماس وباقي فصائل المقاومة، ويتباهى بمنع العمليات، بل ويجاهر بأن المقاومة والاستشهاد تضحيات ساذجة لن تثمر.

الفلسطيني الجديد خرج بعد قرابة العشرة أعوام ليؤكد أن كل محاولات التدجين والترويض التي خضع لها لم تفلح في منعه من الاصطفاف إلى جانب مقاومة شعبه التي حمل السلاح ليقضي عليها، فإذا به يصوب سلاحه نحو الاحتلال.

رصاصات أمجد السكري لم تخترق جسد الاسرائيليين الثلاثة فقط بل اخترقت التنسيق الأمني ومن خلفه نظرية دايتون، خاصة أن السكري نفذ العملية بسلاح أميركي.

ورغم ان انخراط الاجهزة الامنية في الانتفاضة لم يشكل ظاهرة خاصة وان الشهيد السكري يعتبر رابع عنصر أمني ينفذ عملية ضد الاحتلال خلال الانتفاضة الحالية، الا ان استمرار الانتفاضة يفتح الباب أمام الكثير من المفاجآت.

الواضح ان الصدمة من مشاركة عناصر الأمن الفلسطيني في الانتفاضة تجاوز السلطة و(إسرائيل) لتصل إلى الولايات المتحدة التي ستصاب بالتأكيد بخيبة امل بعد أن أنفقت على تجهيزات خاصة بالأجهزة الأمنية سواء في غزة أو في الضفة الغربية حوالي 161 مليون دولار، خلال فترة وجود دايتون في الضفة الغربية.

عاموس هارئيل، معلق الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" وصف انضمام عناصر الأمن لعمليات المقاومة بـ"السيناريو المفزع" الذي يقلص من قدرة الجيش الإسرائيلي على المناورة.

وأشار هارئيل إلى أن عناصر الأمن ونشطاء حركة فتح، يملكون عشرات الآلاف من قطع السلاح، منوها إلى أن الكثير من ضباط الأمن في السلطة، الذين وصفهم بـ"كتائب دايتون" تم تدريبهم على أيدي ضباط أمريكيين ولديهم خبرات أساسية تجعل من مشاركتهم بالغة الخطورة.

وأسس دايتون خلال وجوده في الاراضي الفلسطينية منظومات التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل، حيث جرى اختياره بسبب خبرته الأمنية والعسكرية وقدرته على إعداد الجنود بطريقة تضمن ولاءهم، وتعزز قناعتهم بالهدف الذي يردده على مسامعهم.

ويبدو أن الإدارة الأميركية كانت تثق بقدرته على إقامة العلاقات العامة الناجحة التي تجعله موضع ثقة من قبل الفلسطينيين الذين تولى الإشراف عليهم، وواضح أن مهمته لم تكن بالأساس مجرد التنسيق مع (إسرائيل)، وإنما قيادة الفلسطينيين -خاصة الأجهزة الأمنية- بالطريقة التي تدفعهم إلى تنفيذ البرامج التي تضمن أمن (إسرائيل)، وتؤدي بالتالي إلى استقرار الوضع في الضفة الغربية وغزة.

وتحدث الدكتور عبد الستار قاسم في مقال سابق له حول دور دايتون أنه عمل على قيام السلطة الفلسطينية بمهام أمنية مثل تجريد المقاومة الفلسطينية من السلاح وملاحقة المقاومين، وتدمير البنى التحتية لها، وعلى ذلك يجب دعم السلطة ماليا وتسليحا وتجهيزا لكي تتمكن من القيام بالمهام المطلوبة منها.

ويضيف "هذا ليس بالأمر الغريب على الفلسطينيين حيث قامت السلطة الفلسطينية منذ عدة سنوات باعتقال فلسطينيين وزجت بهم في السجون، وأفشلت عمليات عسكرية لفصائل فلسطينية، واستولت على مواقع قالت إنها مخصصة لصناعة المتفجرات أو تستعمل نزليا (لوجستيا) من قبل مقاومين فلسطينيين.

ومن أبرز ما قام به دايتون خلال فترة توليه مهمة التدريب والتسليح هو اعادة هيكلة الاجهزة الامنية بالتعاون مع ابو مازن وسلام فياض رئيس حكومة رام الله في ذلك الوقت وذلك لتغيير عقيدة الاجهزة التي كان لها مشاركة فاعلة في الانتفاضة الثانية، حيث تم ازاحة كل من لهم علاقة بالأعمال المقاومة واستبدالهم بقيادات أمنية تؤمن بالتنسيق الأمني وترى في (إسرائيل) شريك.

وتحدث دايتون في مقابلة صحفية سابقاً عن تعاون بعض البلدان العربية معه مثل الأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة، من أجل تحقيق هدف ما يسميه السلام، حيث قاد دايتون جهدا دوليا واسعا يتصف بالحساسية الأمنية، كما ان فلسفته الأمنية تقول إن أمن الفلسطينيين يمر عبر أمن الإسرائيليين، والخطر يبقى محدقا بالفلسطينيين ما لم تنم (إسرائيل) بهدوء.

يذكر أن دايتون كان من أبرز من دعم العناصر الامنية في غزة منذ تعيينه عام 2005 وذلك بهدف القضاء على حماس، لكن عناصره خسرت المعركة قبل أن تبدأ وهو ما جعله يضع ثقله على الأجهزة في الضفة، ويدفع السلطة لإحكام قبضتها الامنية هناك.

ويبقى التحدي الأكبر امام السلطة هو كيفية منع العمليات وخاصة من قبل عناصرها لما تشكله من تهديد خطير على وجودها، ومن المتوقع في حال اتساع مشاركة العناصر الامنية في الانتفاضة أن يؤدي ذلك إلى توقف التنسيق الأمني اجبارياً وتجريد السلطة من السلاح وبالتالي سقوطها وتحمل جيش الاحتلال الاعباء الامنية في الضفة.