لم تأسره الساحرة المستديرة كما استفزته حبات الرمل في باطن الأرض ليشتد عوده بينها فتسابق الى هناك مع رفاقه الستة لتتسع لهم تلك الفجوة ومعهم ضحكاتهم وصلواتهم وآخر الأنفاس.
أصغرهم سنًا كان وسيم حسونة 19 عامًا الذي زادته الشهادة وسامة بعد أن أخرجه رفاقه من نفق القسام حيث رحل منتصب القامة حتى كان أول من شيعتهم غزة وأول من عادت الأرض لتحتضنه شهيدًا في جوفها من شهداء وحدة الأنفاق السبعة.
لاعب فريق نادي التفاح الرياضي شارك في العديد من البطولات التي خاضها النادي الذي ينافس للصعود للدوري الممتاز في القطاع الا أنه وصل الصدارة بعد أن تأقلم على استنشاق رذاذ الرمل وسط رطوبة عالية والمشي تحت الأرض بانحناءة انتهت بتسجيله هدفا نظيفًا في مرمى الاحتلال.
للوهلة الأولى تبدو الملامح مألوفة لديك وتلك الابتسامة واحدة .. تأخذك قسمات وجهه البريء الى مفجر ثورة السكاكين مهند حلبي، فرغم صغر سنه استطاع حسونة كما الحلبي أن يترك أفعاله لتتحدث عنه كما أن كلمته كانت كالسيف لقوة شخصيته بين عائلته "بنعمل لوسيم ألف حساب" تعلق أم الشهيد مبتسمة.
وسيم آخر العنقود لوالديه فله من الحب والدلال الكثير "أراد الله أن يختبرني فأخذ أحب أولادي والحمد لله لقضاء الله وقدره" يقول الحاج أبو يوسف حسونة بعد أن زارت "الرسالة" عرس الشهيد بحي التفاح شرق مدينة غزة.
توشح والد الشهيد بوشاح لكتائب عز الدين القسام تلك التي انضم اليها وسيم رغبة بأن يدافع عن وطنه وكرامة شعب أرهقه الاحتلال والحصار، وبعد أن رحب بمهنئين من قيادات حماس عاد ليكمل حواره مع "الرسالة" حيث أخبرنا بأن آخر جلسة له مع وسيم كانت ليلة الثلاثاء حيث ناداه والده لتناول طعام العشاء والذي تضمن الفول والفلافل والتي عادة ما يرفض تناولها مازحًا:" أنا مش تاع الشغل هادا أنا تاع الحاجات الدسمة".
شارك وسيم العشاء الأخير مع والديه في حين نام الوالدين بدهشتهما من تناوله بشهية مفتوحة لأصناف لم يقبل عليها من قبل!
أصناف الطعام التي يفضلها وسيم تنطبق على عمله بوحدة الانفاق القسامية والتي تتسم بدسمها كونها هزت المنظومة الأمنية للعدو خلال الحروب الثلاثة التي تعرضت لها غزة.
اللاعب وسيم زادته الشهادة جمالا حيث أكدت والدته بأن وجهه مال للون الوردي كما شفاهه، وجنتي حسونة الذي اعتاد أن تقبلهما والدته بعد استحمامه وتغيير ملابس العمل، وتقول وعضلات وجهها ما فتئت تتمدد تبسمًا:" الله يرحمه أول مرة أحضنه وأبوسه قبل ما يطلب مني".
شاركتنا شقيقات وسيم الثلاثة الحديث وعادت احداهن بالذاكرة الى أول راتب حصل عليه من عمله حيث قام بزيارتهم وتقديم هدايا والتي كان لها الأثر الطيب على نفوسهن لأول مرة من شقيقهم الأصغر.
"صليت على النبي اليوم؟ " ما زال وسيم يسألها لأسرته في حال قابل أحدا منهم أو عندما يغضبه أحدهم فيعود ليبتسم في وجهه مجددًا.
شقيقته الكبرى سميحة التي بدأت حديثها بالصلاة على النبي كما أوصاها بها وسيم مرارًا قالت بان وسيم أخبرها بمنام له حيث رأى نفسه امامًا بالمسجد الأقصى والجموع الغفيرة تصلي خلفه فدعت الله له أن يرزقه بصلاة في القدس.
لم تكن سميحة تعلم بأن حوالي ربع مليون سيشيع شقيقها شهيدًا بعد ثلاثة أيام من اخبارها بالمنام مع ثلة من رجال القسام بعد انهيار نفق للمقاومة خلال ترميمه في حي التفاح.
هو "دينامو البيت" كما يصفه والده في حين تخبرنا والدته التي وهبها الله السكينة بعد رحيله بأنه كان يفضل الصدارة في كل شيء حتى أنه أول من خرج من النفق شهيدًا وأول من دفن حسب قولها.
لن تجد لوسيم أي حساب على مواقع التواصل الاجتماعي فقد حرص على العمل بصمت وكتمان وترك إنجازاته تتحدث عنه تحت الأرض دون الكشف عنها أو نشرها للعامة فوقها.
الحديث كان بحذر مع عائلة الشهيد حسونة خشية أن تنهار الدموع ألمًا على غياب آخر العنقود الا أن المفاجأة كانت بأنهم من أمدوا الحاضرين بالصبر والعزة الحصرية لذوي الشهداء في غزة.
لن يستطيع سكان حي التفاح أن يوقفوا حزن مئذنة مسجد المحطة الذي تفتقده وجنباته، في حين يغيب صوت ترتيله لآيات القران وتعليمه لأبناء الحي لأول مرة بعد أن دخل المسجد محمولًا على الأكتاف للصلاة عليه كما أوصى.
هل جربت ان تودع صديقا كان كل شيء بالنسبة لك حيث تسابقتما للصلاة واللعب والعمل حتى وصل لحلمه ونال الشهادة وتركك وحيدًا؟
صديق الشهيد أحمد أبو جراد عاش تلك التجربة بقسوتها وألمها حيث كان من أشد أصحاب الشهيد تأثرًا وقال "للرسالة":" حملت وسيم وودعته سبع مرات وكل مرة بشتاق له أكثر".
أحمد الذي جلس بجواره والد الشهيد وسيم يبادله البسمات تارة ويربت على كتفه تارة أخرى لأنه "من ريحة الغالي".
الشهيد وسيم ترك لصديقه أحمد ذاك السؤال قبل يوم من استشهاده "إذا متت راح تعيط عليا؟" وقبل ان يجيب أحمد خلع وسيم معطفه الشتوي وألبسه لأحمد قائلًا:" راح تعيط عليا وهي الجاكيت ذكرى مني ".
كان "للرسالة" نصيب أن ترى شيئا من أثر وسيم حيث ما فتئ أحمد يشير الى بدنه ويقول" هذا جاكيت وسيم لبسني إياه قبل استشهاده بيوم".
وسيم الذي كان قد قطع على نفسه عهدًا بأن يلحق بصديقهم أحمد أبو سيدو بعدما استشهد خلال العدوان (الإسرائيلي) الأخير على قطاع غزة 2014م أوفى به سريعًا في حين لم يبق من "الثلاثي المرح" سوى أحمد أبو جراد وحيدا بعد أن كان أهل الحي يصفونهم بذلك لابتسامتهم التي لم تفارق محياهم يوم أن كانوا سويًا.