تتزاحم المعطيات على الأرض لتجعل قطاع غزة معلقا ما بين المواجهة والهدوء، فبينما يكرر الاحتلال حديثه عن تعاظم قوة المقاومة، والخطر الاستراتيجي للأنفاق، تظهر فصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس جهوزيتها لأي مواجهة قادمة بل تذهب إلى أبعد من ذلك حينما تتحدث بأنها ستفاجئ الجميع بقدراتها.
وبالتزامن مع الحرب الإعلامية تنشط التحركات على الأرض والتي تنحصر حتى اللحظة في اطار الفعل ورد الفعل، كقصف أراض خالية، ونشر بطاريات للمدفعيات الثقيلة على الحدود، فيما نشطت الجرافات على الحدود الشرقية منذ أيام، وعلى صعيد المقاومة تزداد التجارب الصاروخية بشكل شبه يومي والتي يتحدث الاحتلال أن قدراتها باتت غير مسبوقة.
الأحداث السابقة استدعت قلقا محليا ودوليا حول احتمالية حرب جديدة، خاصة في ظل بقاء الوضع في القطاع على حالة وعدم تحقيق أي من شروط وقف إطلاق النار وهو ما يؤدي إلى الضغط الذي سيولد الانفجار.
ومن الواضح ان دولة الاحتلال في أزمة حقيقة من الانتفاضة المستمرة في الضفة الغربية، وهو الأمر الذي يرى فيه البعض إمكانية محاولة إخماد لهيبها من خلال التصعيد في غزة وفتح جبهة جديدة تحرف الانتظار عن الضفة ، خاصة في ظل الاتهام المتكرر لحماس بالوقوف خلف ما يجري في الضفة وهو ما يفسر على انه إيجاد ذرائع لأي عدوان قادم .
لكن في المقابل رجح مراقبون أن تكون الانتفاضة سببا آخر من أسباب تأجيل أي عدوان على غزة، خاصة وان العمليات غير منظمة ولا يقف خلفها أي تنظيم بعينه، كما أن الجيش وقدراته العسكرية والمالية تعاني انهاكا غير مسبوق ما يجعلها غير قادرة على فتح جبهات جديدة.
المحلل في الشؤون الإسرائيلية صالح النعامي رأى أن المنطق الذي يقول إن إسرائيل قد تلجأ إلى الحرب على غزة للتغطية على فشلها في وقف تدهور عمليات المقاومة في الضفة الغربية غير سليم؛ حيث تتم عمليات المقاومة في الضفة الغربية بشكل فردي، ولا علاقة للتنظيمات بها. بالتالي، لن يؤثر أي عمل عسكري في قطاع غزة على وتيرة العمليات، بل قد يفضي إلى تصاعدها.
ومن الأسباب التي تدفع باتجاه استبعاد عدوان جديد هو ما ذهب إليه مراقبون بأن الحرب ستترك تأثيراتها على الإقليم المنهك أصلا، فيما يؤكد البعض أن المحادثات التركية الإسرائيلية ستؤخر أي عدوان في انتظار نتائج تلك المباحثات على الأقل.
وهو ما يؤكده النعامي قائلا: في حال أفضت الاتصالات التي تجري، حالياً، على قدم وساق بين تركيا وإسرائيل إلى التوصل إلى توافق بشأن تخفيف الحصار على القطاع، فإن مثل هذا الاتفاق سيقلص أكثر من فرص نشوب حرب جديدة ضد غزة.
ويتابع في مقال له: حركة حماس ستكون معنية باستنفاد الطاقة الكامنة في الاتفاق، لتخفيف المعاناة عن الغزيين، وهذا ما يجعل لديها مصلحة أكبر في الحفاظ على الهدوء. كما أن تل أبيب التي ترى في تطبيع العلاقة مع أنقرة مصلحة استراتيجية لن تكون متحمسة لتصعيدٍ ضد غزة، يهدد فرص تحقيق هذا الهدف.
وتبين المؤشرات أن حكومة الاحتلال لا تنوي تصعيد الأوضاع، لذلك أقدمت على قصف أرض خالية ردا على الصواريخ التي تعرضت لها مطلع الأسبوع الجاري، فيما ستكتفي بضربات وتوغلات خاطفة في الوقت الراهن خاصة وأنها تدرك أن الحرب ضد حماس لن تكون مغامرة سهلة، إذ ستلجأ الأخيرة إلى تكتيكات وأسلحة جديدة فتجعل الاحتلال مضطرا إلى تأخير المواجهة واللجوء إلى الدعم الإعلامي والدبلوماسي.
ولعل الأهم أيضا أن قرار بداية الحرب وإطلاق شرارتها لم يعد حكراً على طرف واحد دون الآخر، ولم تعد معادلة البداية والنهائية في يد أحد دون الاخر، وهذا ما يدفع الأطراف جميعها الى البقاء في حالة من عدم الاستقرار خشية أن تدفع أي ظروف أمنية أو سياسية أو داخلية أي طرف لإطلاق تلك الشرارة ويحقق مفاجئة للطرف الأخر.
كما أن الاحتلال بحاجة إلى غطاء دولي لدخول الحرب، والغطاء الأمريكي لن يكون موجودا في هذا الوقت، بسبب الانتخابات الأمريكية التي ستبدأ حملتها بعد شهر.
وفي قراءة واقعية للمشهد نجد وحتى اللحظة مازال كل طرف لا يرغب بالحرب إلا أن عوامل التفجير في الوضع الفلسطيني أكبر بكثير من عوامل الاستقرار، وقد يحدث في أي لحظة ما هو خارج عن رغبة الطرفين لذا حركة حماس ليست معنية في الدخول حالياً في حرب لكنها جاهزة وتعد العدة على مدار الساعة، وكذلك الأمر اسرائيلياً تماما، وهنا تكمن الخطورة لأن ذلك سيبقى الجميع في حالة انتظار واستعداد.