على حساب المصلحة الوطنية

"التكتلات الفتحاوية" وراء تعيين عساف على رأس الإعلام الرسمي!

ابو مؤمن
ابو مؤمن

فايز أيوب الشيخ

أياً كانت المبررات والظروف التي يمكن أن يسوقها رئيس السلطة محمود عباس لتعيينه الناطق باسم حركة فتح أحمد عساف مشرفاً عاماً للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، ورئيساً لمجلس إدارة وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، فإن هذه –المبررات والظروف-لم تكن مقبولة بالنسبة للفتحاويين قبل غيرهم من خصومهم السياسيين.

فقد نشرت مواقع تابعة لحركة فتح ما عبر به نشطاء وصحفيون مقربون من فتح، عن سخريتهم وصدمتهم من قرار عباس الأخير، متسائلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن المؤهلات التي يحملها "الخارق" عساف ليحمل كل هذه المناصب.

ويؤكد –نشطاء وصحفيو فتح-أن عباس لم يكن موفقاً في قراره، وأن المرسوم قد يكون جاء لترضية أطراف في قيادة فتح على حساب المصلحة الوطنية العامة، مشيرين إلى أن عساف يتولى منصب المشرف على إذاعة موطني وفضائية عودة التابعتين لحركة فتح، اضافة لكونه ناطقاً باسمها، في حين أن إعلام فتح منذ ذلك لم يشهد أي تطوراً خارقاً، بل انحدر بصورة سيئة لا ترقى لتحديات المرحلة الحالية.

تحالف يزلزل المركزية

وفي التفاصيل التي كشفت عنها مواقع تابعة لفتح، حول الحيثيات والأهداف من وراء قرار عباس، فقد ذكرت أن التحالف القوي الذي برز مؤخراً بين عضوي مركزية فتح جبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي، زلزل عرش اللجنة المركزية، خصوصاً بعد أن خرج الرجوب عبر شاشة التلفزيون الرسمي الذي يتبع مؤسسة الرئاسة مباشرة وانتقد على الملأ الإشكاليات التي تعاني منها حركة فتح.

ونقلت المواقع الفتحاوية عن مصادر خاصة، أن اجتماعاً مصغراً لبعض أعضاء اللجنة المركزية لفتح، عُقد أواخر الأسبوع الماضي بعد لقاء الرجوب على تلفزيون فلسطين، وتحدثوا بكل صراحة عن قطع الطريق أمام ما وصفوهم "بتحالف دحلان"، خوفاً من السيطرة على الإعلام الرسمي الذي يعتبر البوابة الرسمية لوكالات الأنباء والمواطنين، وكتبوا مذكرة لرئيس السلطة طالبوه فيها بتعيين عساف مشرفاً عاماً على اتحاد الإذاعة والتلفزيون ووكالة وفا.

وأشارت المصادر إلى أن تغيرات محدودة ستطرأ أيضاً على قيادات بعض المؤسسات الرسمية لقطع الطريق على توسع التحالف الفتحاوي الذي يربط الجنوب بالشمال "الرجوب من الخليل والطيراوي نابلس" والوسط الذي يمثله سلام فياض "تحالف من أجل السلطة".

التبعية للحزب الواحد

وبالرغم من أن غسان الشكعة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لم يشأ الولوج كثيراً في التعليق على قرار تعيين عساف رئيساً لتلفزيون فلسطين ووكالة وفا، في إشارة واضحة إلى اعتراضه وعدم رضاه عن المرسوم الرئاسي الجديد، فقد اكتفى بالقول لـ"الرسالة": كل واحد بدور على جماعته للأسف، ولهذا السبب الوطن ضاع "، وتساءل "هل تبقى شيء غير فصائلي!؟".

وكان بلال الشخشير المدير العام للمجلس الوطني الفلسطيني، قد سجل اعتراضه على مرسوم عباس بتعيين عساف، حيث أرجع سبب الاعتراض الذي كتبه الشخشير على صفحته بموقع "الفيس بوك"، أن عساف يشغل العديد من الوظائف والمسميات التي من الممكن أن تستوعب العديد من الكفاءات الأكاديمية والمهنية.

أما الكاتب والمحلل السياسي يوسف رزقة، فقد اعتبر أنه من المفترض أن يكون تلفزيون فلسطين ووكالة وفا مؤسستين وطنيتين عامتين تتبعان لمنظمة التحرير وللسلطة، مشيراً إلى أن صدور مرسوم رئاسي بتعيين عساف على رأس هاتين المؤسستين "تأكيداً لما يقوله خصوم حركة فتح بأن المؤسستين تتبعان لهذا الحزب بعينه".

وذكر رزقة لـ "الرسالة" أنه من المعروف بأن عساف ناطقاً باسم فتح ومثيراً للجدل ويلجأ دائماً للفبركات وكثيراً ما يتشنج في تصريحاته التي تمس الجسم الوطني وخاصة حركة حماس، لافتاً إلى أن هذا السلوك المضطرب من المؤكد سينعكس على التلفزيون ووفا.

وذكر رزقة الذي شغل منصب وزير الإعلام في الحكومة العاشرة، أنه إذا كان ولا بد أن يختار رئيس السلطة شخصية من حزبه لتولي هذه المناصب، فكان من باب أولى أن يختار شخصية مرنة وهادئة التفكير وليست مثيرة للجدل ولها خصومات حزبية ساخنة ومتوترة مع معظم الحركات الفلسطينية.

وتوقع رزقة أن يكون هذا التعيين لعساف، إضافة لقناعات حركة حماس بأن تلفزيون فلسطين ووكالة وفا ليستا مؤسستين للوطن ككل وإنما ضمن المؤسسات الحزبية التي تسمى بأسماء وطنية، محذراً من تشكيل هاتين المؤسستين مزيداً من التوتر الإعلامي داخل الساحة الفلسطينية في المرحلة القادمة.

خلط بين الحزبي والعام

من ناحيته، فقد اعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين، أن المشكلة ليست في ترك منصب من أجل منصب آخر، ولكن المشكلة في الرؤية التي تتبناها القيادة الفلسطينية للإعلام الرسمي بشكل عام، مشيراً إلى أن الخلط بين الإعلام الحزبي وبين الإعلام العام يدلل على نظرة قصور جديدة تجاه الإعلام الفلسطيني.

وأوضح شاهين لـ "الرسالة" أنه من المفترض أن يكونا تلفزيون فلسطين ووكالة وفا ضمن الإعلام العام للشعب الفلسطيني ويفضل الابتعاد عن تعيين حزبيين واضحين في آرائهم وتوجهاتهم الفصائلية، في إشارة إلى عساف.

وعبر شاهين عن اعتقاده بأن هذه المشكلة في التعيين ليست جديدة وقد تكررت عدة مرات في وسائل الإعلام العامة، مؤكداً أن هذا الأمر بحاجة إلى مراجعة ووقفة من قبل الإعلاميين لتصحيح مسار الإعلام.

وأكد شاهين أن ما وصفها بـ " التشوهات" نتاج طبيعي لتشوه المؤسسة الإعلامية من جهة، ولتشوه الفكر الذي تحمله القيادة الفلسطينية نفسها من جهة أخرى، على حد تعبيره.

وحول ما إذا كان لهذا التعيين الحزبي الجديد انعكاس في توتير الساحة الفلسطينية، فقط ذكر شاهين أن ذلك يتوقف على الطريقة التي سيتعامل فيها عساف مع تلفزيون فلسطين ووكالة وفا في الفترة القادمة، مشككاً في أن يكون هذا الإعلام عاماً ومفتوحاً للتعددية.

كما لم يستبعد شاهين أن يكون تعيين عساف له صلة بالانفتاح الذي أداه من سبقه بالمنصب "رياض الحسن" فيما يتعلق استضافة بعض الشخصيات على شاشة تلفزيون فلسطين، مستدلاً على هذا التوقع أو التكهن بأن هناك بعض الحالات السابقة التي تم فيها اللجوء إلى إقصاء المعارضين أو الذين يختلفون مع السلطة وحركة فتح في الرأي.

يشار الى أن خلافات قوية عصفت في الأشهر الأخيرة بين أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، وصلت إلى حد الانقسامات في القرار، فمنهم من أصبح يجير القرار لصالحه ومنهم من يعارض و"يطاوش" ومنهم من يرجع بكرسيه متراً إلى الوراء من طاولة الاجتماعات ولا يبدي برأيه لكيلا يحسب نفسه على أحد.