"أين شاليط؟" سؤال شاركه الشهيد أبو بكرة مع عائلته

الشهيد ابو بكرة وشاليط
الشهيد ابو بكرة وشاليط

الرسالة نت- لميس الهمص

حاولت أن تتلمس شاشة التلفاز بيدها عل جزءا من أنفاسه يصل إليها، خليط من الفخر والحزن انتاب أم الشهيد خالد أبو بكرة عند رؤية ابنها وهو يتحرك أمامها من جديد، كم المشاعر التي اجتاحت قلب الأم دفعتها لإطلاق زغاريدها عالياً بمجرد أن رأت طيف ابنها الذي استشهد منذ ثلاثة أعوام.

شعور الفخر الذي تولد لدى الأم وهي تتفقد صورة ابنها برفقة الجندي الأسير جلعاد شاليط أعادها لذكريات سنوات تنقلاتها بين سجون الاحتلال لزيارة خالد والذي قضى عقدا من عمره بداخلها.

فيما لم تحتمل شقيقته الصغرى ميسون المشهد ففقدت الوعي وهي تقول: (جلسة القرفصاء ذاتها وتلك النظرات والابتسامة التي اعتاد ان يستقبلنا بها هل عاد للحياة من جديد؟

الأم السبعينية تفاجأت كما الجميع بأن ابنها كان أحد من كانوا برفقة شاليط في أسره، وتقول: خالد كتوم منذ صغره وتعرض لرصاص مطاطي في قدمه وحاولنا معرفة الطبيب الذي عالجه من آثار الرصاصة إلا أننا فشلنا رغم مرور سنوات على الحادثة.

وتتابع: يوم وفاء الأحرار أخبرني بأنه في دورة عسكرية وغاب لعدة أيام، ورغم أنني تعرفت عليه من وراء اللثام أثناء تواجدي في المعبر إلا أنني لم أتخيل يوما أنه كان برفقة شاليط.

لم يكن تعلق الشهيد خالد بالأسرى وقضيتهم من فراغ، وهو من عايش لسنوات ظلم وقهر السجانين فبدأت حكايته معهم منذ السادسة عشر من عمره حين اعتقل بعد طعنه لضابط إسرائيلي وحكم عليه بالسجن لثلاثة عشر عاما قضى منها عشرة.

خرج خالد من سجنه بعد أن وصل لأعلى هيئة قيادية فيه وهو يحمل هم الأسرى وقضيتهم فكان دائما يردد أن كل قضايا الشعب الفلسطيني يمكن تأجيلها إلا قضية الأسرى فهي تتعلق بحياة أناس يتأثرون بكل يوم يمضي عليهم في سجون الاحتلال.

تعلقه بقضية الأسرى دفعت شقيقته الوسطى نجوى للقول بأنها حزنت عند استشهاده لأنه لم يحقق أي انجاز لقضية الأسرى التي كان دائما مهموماً بها، إلا أن الأيام أثبتت أنه قدم لهم الكثير.

مشاهد الحنين والفخر ارتسمت على ملامح وجوه افراد الأسرة فحاول كل منهم استرجاع ذكريات الحنين مع الشهيد، شقيقته الكبرى نجلاء علقت: حتى جيراننا كانوا يفخرون بخالد يرقبون خطواته لصلاة الفجر ويشعرون كأنه من عالم آخر لذا شبهوه بالطير.

وتتابع: عندما شاهدت المهام الملقاة على عاتقة أشفقت عليه خاصة وانه لم يهمل أيا من أخواته الخمسة وكان حنونا وحريصا على الجميع.

عادت أمه لتروي لـ"الرسالة نت" قصة تعلقه بصديقه الشهيد محسن القدرة والذي أنشد له شعرا من تأليفه وكان دائما يردد "يا حزن أمه حينما تلقاه" فكنت أقول له عندما كان يطلب مني أن ادعو له بالشهادة "بتخاف على ام محسن اما أمك ما بتخاف عليها".

نظرات عميقة ترافقها ابتسامة عريضة كررها عبد الرحيم أبو بكرة لصورة شقيقه التي امتدت على طول جدار الغرفة، وجمعته بالجندي الأسير وكأنه يخاطب روحه التي صعدت إلى بارئها، فكان يتحدث إلينا بخليط من المشاعر والذكريات مع أخيه "آخر العنقود".

زحمة أفكار تصارعت في عقلي ، كيف استطاع دفن السر لعشر سنوات، لم يخطر ببالي يوما ان يكون شقيقي ضمن مجموعة الظل صاحبة مهمات مرافقة الأسرى، رغم أننا منذ صغره ونحن نتوقع أن يكون صاحب شأن عظيم، يقول شقيقه.

يسترجع عبد الرحيم العديد من الذكريات للشهيد أثناء الحديث عن شاليط في حضرته فكان إما أن يغير الموضوع، أو يشارك الحضور في تساؤلاتهم "قولتكم شاليط أسلم؟ طيب وين موجود؟ "والله لو أسلم فهو خير من حمر النعم".

شعور الفخر بصنيع خالد تعدى عائلته ووصل لسكان الحي الذين تجمهروا أمام منزلهم بمجرد انتهاء عرض المقاطع المصورة للشهيد، فيما هاتف كل من عرف خالد عائلته طالبين الصور التي جمعتهم به لأنها باتت سببا للفخر والعز.

"صحيح أن خالد كان يتحدث العبرية بطلاقة لكن أكبر توقعاتي كانت بأن القسام يستعين به للترجمة أو للتحليل السياسي" يتحدث عبد الرحيم بعينين تلمعان شوقا.

شهر نوفمبر حمل للشهيد العديد من البشريات فهو شهر ميلاده، وكذلك شهر تحرره من الأسر، وكان أيضاً يوم استشهاده هو ليلة الجمعة بتاريخ 1/11/2013م داخل أحد الأنفاق بعد أن قصفته طائرات الاحتلال مع اثنين من رفاقه بسبب زرعهم لعبوة كبيرة بالقرب من عدد من الجنود المتوغلون.

ولم يكن من باب المصادفة أن عنون الموقع الإعلامي لكتائب القسام سيرة خالد بـ(مجاهد من طراز عنيد) كيف لا وهو من مر على كل مراحل النضال بدءاً بالحجارة وانتقالا للطعن بالسكين وليس انتهاءً بالمهمات الجهادية المعقدة، فكان جريحا وأسيرا ثم شهيدا.