فرص انهيار السلطة تتزايد وخيارات الإنقاذ مكلفة

عبااااااااس
عبااااااااس

الرسالة نت-شيماء مرزوق

"أصحاب الرايات السوداء" فزاعة المجتمع الدولي الذي بات يستخدمها للتلويح بها في وجه أعدائه وحلفاءه على حد سواء، وتحذير المرشحة للرئاسة الامريكية هيلاري كلينتون من أن بديل الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيكون "داعش"، يحمل ضمنياً مخاوف من امكانية انهيار السلطة الفلسطينية، في ظل الأوضاع المتفاقمة بالقدس والضفة المحتلة، كما يحث (إسرائيل) على ضرورة العمل لمنع هذا الانهيار بأي طريقة.

هذه المخاوف لا تأتي بعيداً عن الواقع الذي يؤكد أن السلطة الفلسطينية لم تكن يوماً في وضع أسوأ مما هي عليه الحال اليوم، فهي تعاني أزمة وجودية حقيقية، ولم تعد قادرة على ان تقنع احدا بدورها، وقد ولّى الزمن الذي كانت فيه قيادة السلطة قادرة على الترويج لنفسها فلسطينياً على انها مناضلة وصاحبة مشروع تحرر وطني، وفي نفس الوقت تلعب مع (إسرائيل) دور الشريك الذي يؤمن بالحلول السلمية والمفاوضات.

الواضح أن هذه اللعبة لم تعد تقنع أحدا من الطرفين (الفلسطينيين- الاحتلال)، كما ان استمرارها لعقدين من الزمن دون اي نتائج او انجازات تذكر، جعلها غير مقبولة بالمطلق، ولذا باتت السلطة تعاني ازمة حقيقية تتعلق بوجودها، وجعلت التنبؤات بانهيارها تتزايد.

 فرص الانهيار

ما يزيد من فرص انهيار السلطة هو اتساع الهوة بينها وبين الشعب الفلسطيني الذي يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، مع انعدام الأفق السياسي، ودخل مؤخراً عامل مهم يتمثل في اندلاع "الانتفاضة" وما قد ينتج عنها من تداعيات مهمة.

الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أكد ان حدوث تطورات دراماتيكية، مثل مجزرة إرهابية (إسرائيلية)، أو تغيير جوهري في وضع الأقصى الشريف ومكانته، أو عملية استشهادية تؤدي إلى عدد كبير من القتلى في صفوف (الإسرائيليين)، أو وفاة الرئيس أو استقالته قبل الاتفاق على الخلافة، أو تغيير السياسة الفلسطينية الحاليّة من المناوشة إلى المجابهة للاحتلال؛ كل هذه التطورات أو بعضها قد تؤدي إلى انهيار السلطة.

وبيّن ان الانتفاضة الحالية من اهم التحديات التي تواجه السلطة؛ لأنه في حال قمعت أجهزة السلطة التحرك الشعبي مثلما كانت تفعل سابقًا، يمكن أن ترتد الانتفاضة عليها، وفي هذه الحالة فإن انهيار السلطة، وارد.

وقال المصري في مقال له: "انهيار السلطة في الضفة لا يعني انهيارها في غزة، لأن انسحاب القوات الاحتلالية من داخل القطاع ومحاصرته من الخارج، تجعل من الظروف مختلفة بين الضفة والقطاع، بحيث من المرجح أن تبقى السلطة في غزة حتى لو انهارت بالضفة".

وذهب المصري بعيداً في توقعاته، موضحاً أنه من الضروري إعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وتحضيرها لتأخذ مكان السلطة إذا انهارت، أو أقدم الاحتلال على حلّها، وذلك بأن تضم مختلف أطياف الشعب الفلسطيني، لتصبح في هذه الحالة سلطة مقاومة، أو مجاورة للمقاومة، أي سلطة تخدم البرنامج الوطني".

 حصر الخيارات

مراوحة القيادة الفلسطينية حول استحقاقات أوسلو في رفض "العنف" "المقصود به المقاومة" والانتفاضة والالتزام بالمفاوضات، خيارا وحيدا لحل الصراع ومناشدة المجتمع الدولي والتوجه إلى الأمم المتحدة لاستصدار قرارات لا قيمة بها، أدى لحدوث شرخ كبير بين قيادة السلطة والشعب الفلسطينية توج بالانتفاضة الاخيرة، التي وضعت السلطة امام ثلاثة خيارات صعبة.

د. عبد الحميد صيام المحاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرزي حصر هذه الخيارات في ثلاثة الأول هو أن تمارس القيادة الحقيقية في قيادة انتفاضة سلمية شاملة ومتواصلة ومتصاعدة، وتعلن أنها ستشارك الجماهير في مسيرات سلمية بمئات الألوف من أطفال ونساء ورجال بحماية الأمن الفلسطيني، وتتوجه المسيرة إلى الحواجز أو المستوطنات أو خطوط التماس على طريقة الشهيد زياد أبو عين.

وأكد أنه بهذه الحالة ستنقذ القيادة نفسها، وذلك بالتخلي عن تصورات وتوقعات (إسرائيل) من أوسلو وتقترب من الآمال الفلسطينية، لكنه خيار مستبعد تماما.

وأوضح صيام في مقال له ان الخيار الثاني يكمن في اعلان القيادة أنها وصلت إلى حائط مسدود، وأنها تعتذر عن مصيبة أوسلو التي أوصلت الشعب الفلسطيني لهذا المأزق الوجودي، وأنها قررت الاستقالة وتضع مسؤولية الأرض المحتلة مباشرة على من يحتلها وبدون وكيل عنه، وهذا خيار مستبعد.

وقال صيام "الخيار الثالث أن تبقي على ازدواجية الخطاب بين ما تقوله للإسرائيليين وللأمريكيين وبين ما تقوله للفلسطينيين، ولكن على الأرض تعمل على الالتزام بشروط أوسلو وتحاول أن ترضي طموح الفلسطينيين بخطوات صغيرة كجلسة مجلس أمن أو رفع العلم الفلسطيني أو تقديم ملف جديد لمحكمة الجنايات الدولية".

ويضيف: هذا هو الخيار الأرجح لجماعة أوسلو، وهو خيار لم يعد يقنع أحدا وأن طبخ الحصى وخروج البخار من "الحلة" لا يهدئ من الجوع.

وشدد صيام على انه آن الأوان لحسم الخيارات لصالح التصور العام للشعب الفلسطيني الذي لا يقبل بأقل من دولة حقيقية ومترابطة وذات سيادة بدون الأورام الاستيطانية والحواجز المذلة والتهديد بوقــــف تــــحويل أموال الضرائب والمداهمات الأمنية وتصدي رجال الأمن للمظاهرات السلمية، بدل قيادتها والانخراط فيها كما فعلوا أيام الانتفاضة الثانية.

ورغم واقعية التحديات وانحصار الخيارات أمام السلطة في الاخير، لكن لا يمكن اغفال دور القوى والدول الداعمة للسلطة ما دامت تدرك أن عواقب انهيارها أسوأ من مخاطر بقائها فستستمر في دعمها، لذلك فإن الإدارة الأميركية والحكومة (الإسرائيلية) تسارعان إلى توفير أسباب بقاء السلطة إذا بدا أنها على وشك الانهيار، من خلال إعادة تحويل المساعدات والعوائد الجمركية، وإقناع الدول المانحة باستئناف تمويل السلطة، إضافة إلى تقديم تسهيلات (إسرائيلية) لتخفيف وطأة الحياة، مثل تصاريح العمل في (إسرائيل) وغيرها.