توقّع مزيدًا من التصعيد

يعالون يُقر بعجز إسرائيل عن وقف انتفاضة القدس

وزير الأمن الإسرائيليّ موشي يعالون
وزير الأمن الإسرائيليّ موشي يعالون

القدس المحتلة-الرسالة نت

أقرّ وزير الأمن الإسرائيليّ موشي يعالون أنّ وقف الانتفاضة المستمرّة منذ مطلع الشهر الماضي أمر لا يلوح في الأفق، وفق تعبيره.

وقال يعالون لإذاعة جيش الاحتلال إنّ هذه الموجة من التوتر ستستمر خلال الأسابيع المقبلة على أقل تقدير.

ولم يستبعد أنْ يطرأ المزيد من التصعيد على الأوضاع الأمنية، "الأمر الذي يتطلب الاستعداد للتعامل مع سيناريوهات متعددة"، وزعم أنّ سياسة الردع هي الكفيلة باجتثاث جذور التوتر والتغلب عليه مثلما حصل سابقًا.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّه ما زالت الانتفاضة الثالثة حاضرة بقوة لدى صناع القرار السياسي والأمني على مستوى أسبابها ومفاعيلها وآفاقها، وإذا ما تبينّ من قراءة الهبّة والعناوين التي أطلقت عليها، بين المستويين السياسي والاستخباراتي في تل أبيب، فهو يعود إلى موقع كل منهما. من جهة يصر نتنياهو، الذي يمثل رأس الهرم السياسي، على وسم الهبّة الشعبية الفلسطينية بأنها ليست إلّا موجة إرهابية تتعرض لها إسرائيل” امتدادًا لما واجهته طوال تاريخها.

وفي التدقيق بالمفردات التي اختارها نتنياهو، يبدو أنّ هذا الخطاب يهدف إلى القول إن الهبّة الفلسطينية لا علاقة لها بسياسات حكومته في هذه المرحلة. ويستدل على ذلك، بأنّ إسرائيل واجهت موجات مشابهة واشد عنفا قبل وبعد اتفاقات التسوية السلمية.

ويُمهّد هذا الخطاب، للقول إنّ أي تنازل إسرائيليّ سيكون عبثيًا على هذا الصعيد. وبالتالي التأكيد على أنّ لا علاقة لما جرى ويجري، بواقع الاحتلال والاستيطان والممارسات الاستفزازية لليمين الإسرائيلي المتصلة بالقدس والمسجد الأقصى.

علاوةً على ذلك، أراد نتنياهو قطع الطريق من خلال هذا الخطاب، والفذلكة التي قام عليها، على أي محاولة استغلال سياسيّ خارجيّ وداخليّ من قبل القوى المنافسة له على صدارة المشهد السياسي، والحؤول دون مطالبته بتقديم ما يعتبره تنازلات سياسية لصالح الطرف الفلسطينيّ.

بناءً على ما تقدّم، يُمكن القول والفصل أيضًا إنّ موقف نتنياهو ينسجم مع رؤيته التي تقوم على الاعتقاد بضرورة استغلال الظرف الإقليميّ التاريخيّ الحاليّ من اجل فرض وقائع استيطانية في الضفة والقدس، وبالتالي فإنّ نقطة الارتكاز في خطاب نتنياهو، على هذا الصعيد، تتمثل بوضع فصائل المقاومة الفلسطينية والجماعات الإرهابيّة في سلةٍ واحدةٍ، في محاولة للقول إنّه على العالم الذي يُدين ما ترتكبه هذه الجماعات أنْ يسحب ذلك أيضًا على نشاطات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، على أمل أنْ تخرج إسرائيل معفية من المطالبة بتقديم ما تسميه “تنازلات” سياسية للطرف الفلسطينيّ.

رغم ذلك، يظهر أنّ نتنياهو تبنّى في تعليماته للأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، مبدأ التدرج في ردوده على العمليات التي ينفذها الشباب الفلسطيني. ويعود ذلك، إلى رهانه في بداية الأمر على أنْ يكون ما جرى سحابة عابرة كما حصل في مرات سابقة، لكن استمرار العمليات حشرت نتنياهو وطاقمه السياسيّ والأمنيّ، فاندفع بعد ذلك نحو قرارات أشد قسوة وأكثر قمعًا بهدف تعزيز الردع الاسرائيليّ في مواجهة الشباب الفلسطيني، فصدرت قرارات  محاصرة الأحياء العربية في القدس الشرقية، وسحب الإقامة من المنفذين، وتدمير منازلهم ومنع إعادة بنائها.

علاوة على ذلك، وجّه نتنياهو تعليمات جديدة لإطلاق النار، من خلال السماح لقوات الشرطة باستخدام القناصة وإطلاق الرصاص الحي ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وتعزيز الشرطة بقوات من الجيش.

في المقابل، رأت شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) أنّ سبب العمليات التي ينفذها الشبان الفلسطينيون في المرحلة الحالية، يعود إلى اليأس والإحباط في صفوفهم وإلى شعورهم بأنه لا شيء يخسرونه خاصة لدى جيل الشباب.

بل ذهب رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال هرتسي هليفي إلى حدّ القول، خلال جلسة الحكومة الإسرائيلية، إنّ السلطة الفلسطينية لا تستطيع التأثير في هؤلاء الشبان بسبب الفجوة القائمة والآخذة في التعمق بين السلطة والجيل الشاب.

وقد تجاهلت تقديرات الاستخبارات المعلنة حقيقة أنّ منشأ الموقف الشعبيّ الفلسطينيّ يعود بالدرجة الأولى إلى رفضه الاحتلال وإفرازاته. ولا يقدح بذلك، أنْ يتفاقم هذا الموقف ويتجذر مع السياسات الحكومية التي تعمق من الجرح الفلسطيني.

أمّا عن المعالجة، فقد علمت الأجهزة الأمنيّة أنّها غير قادرة على معالجة هذه الظاهرة، رغم بدائية وسائلها، من دون التعاون مع أجهزة امن السلطة، وهو ما يكشف بدوره عن محدودية القدرة الإسرائيليّة على مواجهة المقاومة الفلسطينية في الضفة لولا أن طرفًا فلسطينيًا، أجهزة أمن السلطة، اختار أنْ يكون أداة لقمع المقاومة ومنعها من ممارسة حقها وواجبها.

في كل الأحوال، تبقى حقيقة تطغى على كل مواقف القيادة السياسية، في تل أبيب، ومحاولة تقدير الاستخبارات الإسرائيلية، وهي أنّ هذه الهبة الفلسطينية، ومعها العديد من المحطات التي سبقت، كشفت وأكّدت على فشل محاولة تدجين وتيئيس الجيل الشاب الفلسطيني، بل نجده أيضًا، مندفعًا ويملك قدرًا من الوعي يمكنه من اتخاذ قرارات مصيرية في توقيت إشكالي ويُبدع في أساليب المقاومة.

وهذا الأمر ينسحب أيضًا على ما جاء في كتاب المؤرّخ الإسرائيليّ، د. هيلل كوهين، (العرب الجيّدون)،الذي اعتمد على أرشيف جيش الاحتلال الإسرائيليّ، وأكّد على أنّه بالرغم من مُحاولات الشاباك الإسرائيليّ بترويض فلسطينيي الداخل وسلخهم عن أمّتهم العربيّة وشعبهم الفلسطينيّ، بالرغم من ذلك كان الفشل حليفه، على حدّ تعبيره.

صحيفة رأي اليوم