أجمع محللون سياسيون وخبراء في الشأن التركي، على أن حادثة اسقاط الطائرة الحربية الروسية في منطقة “جبل التركمان”، قد تكون لها تداعيات كبيرة على المشهد الإقليمي، ما من شأنه أن يفاقم حالة الإرباك التي تعاني منها المنطقة، مشيرين في الوقت ذاته إلى أنّ الرّد الروسي لن يتجاوز حدود الأزمة الدبلوماسية.
ولم تهدأ حدّة التوتّر التي سيطرت على المشهد منذ بدء العمليات الروسية في سوريا منذ نحو خمسين يومًا، حيث اعترضت تركيا على القصف الروسي الذي طال مدنيين في سوريا عدة مرات، وزادت حدّة التصريحات القادمة من القصر الرئاسي في أنقرة، قبل أسابع قليلة، عقب استهداف الطائرات الروسية منطقة جبل التركمان بالقصف والغارات، مما أدى إلى مصرع عدد كبير من المدنيين.
واستدعت الخارجية التركية السفير الروسي في أنقرة قبل نحو أسبوع،لتأكد علي أن الغارات الروسية تستهدف مدنيين في جبل التركمان، وأن تنظيم “داعش” الإرهابي لم يكن سوى شماعة للتدخل الروسي في الحرب الدائرة على الأراضي السورية.
وأثار استهداف طائرتين من طراز (إف-16) التابعة لسلاح الجو التركي لطائرة حربية روسية، اليوم الثلاثاء، ردود فعل واسعة النطاق، وشغلت حيزًا على شاشات وسائل الإعلام العالمية، ودفعت المحلليين السياسيين والعسكريين إلى محاولة التنبؤ بتداعيات الموقف، خاصة في أعقاب تداول أنباء عن مقتل طيار روسي وسقوط آخر أسيرًا في يد فصيل سوري معارض.
وفي أوّل رد فعل له، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن: “روسيا تلقت طعنة بالظهر من قبل تركيا”، زاعمًا أن “العمليات الروسية تستهدف تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وأن عواقب العملية ستكون وخيمة على صعيد العلاقات بين موسكو وبين وأنقرة”.
من جهته، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن: ” تركيا حذّرت الطائرة الحربية الروسية عدّة مرات قبل اسقاطها ودعتها لمغادرة اجوائها، بيد أن الطائرة استمرت بالتحليق دقائق عدّة ولم تنصع للتحذيرات، ما استدعى الرد على هذا الاختراق”.
واوضح أوغلو أن ” لتركيا الحق الكامل بالرد على أي محاولة لإختراق مجالها الجوي، وأنها لن تسمح لأي كان باختراقها والاعتداء على سيادتها وسلامة أرضها”.
ويرى المحلل السياسي أحمد اويسال أن ” روسيا لن تقدم على أي ردة أخري، ولن تصعّد عسكريًا،لانها هي من اعتدت علي الأجواء التركية”، مشيرًا إلى أنّ “الحرب العسكرية ليست في مصلحة البلدين، وأن احتمال وقوعها ضئيل للغاية”.
وقال أويسال في تصريح لـTRT العربية إن: ” تركيا حذرت روسيا كثيرًا خلال الآونة الأخيرة من تكرار الاعتداءات على أراضيها وسيادتها، ولكن روسيا لم تستجب لهذه النداءات، ما حمل تركيا على الرد بالطريقة التي رأتها مناسبة للحفاظ على أرضها وايقاف العبث في سمائها”.
وأشار إلى ان العلاقات التركية- الروسية تأثرت خلال الأسابيع الماضية، “ولكنها لم تصل إلى مرحلة الأزمة”.
من جانبه، قال المحلل السياسي والنائب عن حزب العدالة والتنمية في مدينة سرت “ياسين أكتاي” لـTRT إن: ” الاستفزازات الروسية لم تكن سوى محاولة لجس النبض التركي، وسعي نحو وضع تركيا تحت الاختبار، لقياس ردّة فعلها واستشراف درجة تحمّلها”.
وأضاف أن: ” تركيا لن تقحم نفسها في حرب عسكرية على الأراضي السورية، لأنّ هناك من يرد لها أن تتدخل، وأن تصبح جزءًا من منظومة الحرب”، مشيرًا إلى أن تركيا تفضل أن تختار بنفسها وقت التدخل وشكله، أو التدخل من عدمه”
ولفت المحلل السياسي إلى أن تركيا ردّت على محاولة الاعتداء على أرضها، وهي بذلك وجهت رسالة قوية مفادها ” أن أي محاولة لإقحام تركيا أو الاعتداء على مواطنيها وسيادتها لن يمر مرور الكرام “.
وأشار أقطاي إلى أن تركيا لن تسمح بإقامة دويلات إلى جانب حدودها، ولن ترضى بتقسيم سوريا، بل تسعى إلى التأكيد من خلال ردود فعلها القوية على أنها عنصر فعّال في كافة الحلول المحتملة للأزمة السورية.
وقال إن: “تركيا حذرت الطائرة عدّة مرات قبل اسقاطها”، مشيرًا إلى انها اسقطت الطائرة بغض النظر عن هويتها، فهي لن تسمح بانتهاك مجالها الجوي، وأن تصبح سماؤها مرتعًا للطائرات الأجنبية، سواءً روسية أو سورية أو غيرها”.
من جهة أخرى، يرى عضو الهيئة التدريسية في جامعة إسطنبول أوغوز تامير أن الاتحاد الاوروبي سيعمل على تدارك الأزمة التي تلوح بوادرها بالأفق، من خلال محاولة التسوية والتسكين وتطبيع العلاقات بشكل أفضل بين البلدين.
وقال تامير لـTRT العربية إن ” روسيا قد تتذرع أمام العالم بشماعة تنظيم داعش الإرهابي، ولكن الرد التركي كان واضحًا ولا يزال، وهو أن انتهاك المجال الجوي لن يمر، وأن الرد التركي سيكون حاسمًا على الدوام”.
وأشار إلى أن اقتحام المجال الجوي التركي في ظل مشهد تسوده الأزمة، لا يزيد المنطقة الا اشتعالا واحتقانًا، مستبعدًا ان يتطور الأمر ليصبح على شكل تصعيد عسكري.
ويتفق المحلل السياسي التركي محمد زاهد غول مع تامير، في القول إن: “الحديث عن تصعيد عسكري روسي باتجاه تركيا، ليس منطقيًا”.
وأشار غول في تصريح لـTRT العربية إلى أنه لا يعتقد أنّ العلاقات بين تركيا وروسيا ستسوء وتتأثر إلى درجة كبيرة، نتيجة للمصالح الاقتصادية المتبادلة بين البلدين”.
ويرى غول أن الأمر كان متوقعًا، خاصة وأن الحديث لا يدور عن الانتهاك الأوّل من نوعه، فقد سبق وحذرت تركيا روسيا من استمرار انتهاك سلاحها الجوي للأجواء التركية، “بل وصل الأمر الى حد استدعاء السفير الروسي في أنقرة للاحتجاج على الخروقات الروسية”.
ويرجح غول أن تترجم الأزمة المذكورة على أرض الواقع في سوريا، حيث من الممكن أن تشهد المنطقة تداعيات على الأرض في شكل زخم أكثر وتدخل تركي وأمريكي.
وقد حذرت الحكومة التركية روسيا عدة مرات من انتهاك الطيران الحربي لمجالها الجوي، واستنكرت في وقت لاحق استمرار سقوط مدنيين سوريين على يد الطيران الحربي الروسي وخاصة في منطقة جبل التركمان في ريف اللاذقية.