أظهرت العمليات الفدائية التي نفذها الفلسطينيون خلال انتفاضة القدس المندلعة منذ مطلع اكتوبر المنصرم حرص المنفذين على تجنب قتل الأطفال والنساء، باعتراف الاحتلال نفسه، بينما لم يفرق جيش الاحتلال ولا مستوطنيه بين فئات الفلسطينيين، فالجميع صغارا وكبارا كانوا ضمن دائرة الاستهداف، مما يشير إلى تفوق الإنسانية الفلسطينية على إرهاب الاحتلال.
وفي دليل على ما سبق هي الرسالة التي نقلها منفذ إحدى عمليات الانتفاضة الأسير المصاب بلال غانم والتي جاء فيها" أنزلنا أنا ورفيقي كبار السن والأطفال (الإسرائيليين) من الحافلة لإيماننا أن المقاومة الفلسطينية تقوم على أسس دينية وحضارية، لم نحرص على القتل العشوائي لأجل القتل فقط، وإنما جاءت عمليتنا ردًا على اقتحامات المسجد الأقصى، واستهداف النساء".
الاحتلال (الإسرائيلي) أخفى هذه الصورة رغم علمه الجيد بها وتعليق قادة الرأي في (إسرائيل) عليها كما جرى في عملية "إيتمار" في نابلس، وهذا ما نوّه إليه أبو غانم بأن "الأمن (الإسرائيلي) رفض أن يدرج هذه الزاوية ضمن لائحة الاتهام، كي لا يظهر قتال الفلسطينيين القائم على البعد الحضاري في مواجهة الاحتلال"، وذكر ما قاله له ضابط التحقيق: "لن نظهركم ملائكة في عملياتكم أمام العالم".
وفي المقابل، يرى المتابع لأحداث الانتفاضة انتهاكات الاحتلال (الإسرائيلي) بحق الأطفال، بدءًا بحرق الطفل محمد أبو خضير ومرورا بجريمة عائلة دوابشة، وليس انتهاء بتعذيب الأسير الطفل أحمد المناصرة أثناء التحقيق معه من قبل المخابرات (الإسرائيلية)، ليتضح إجرام الاحتلال وإنسانية الشعب الفلسطيني الذي يتحاشى إقحام منْ ليس لهم علاقة في آتون حالة الفعل ورد الفعل القائمة في الساحة.
مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي الصوراني قال في حديث لـ "الرسالة" إن المقاومة الفلسطينية على مر سنوات الصراع أثبتت أنها تلتزم بالمعايير الدولية المتفق عليها في الكثير من عملياتها ضد الاحتلال (الإسرائيلي)، وخير شاهد على ذلك العمليات الأخيرة في الضفة الغربية المحتلة.
وأشار الصوراني إلى العدوان الأخير على غزة كان خير مثال على التزام المقاومة الفلسطينية قولا وفعلا بمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين، على عكس (إسرائيل) التي تعمدت استخدام أساليب الإبادة بحق عائلات فلسطينية قتلت بأكملها دون تفرقة بين كبير وصغير.
وأشار إلى الحس والملموس في قانون العالم يؤكد أن (إسرائيل) دولة لا تحترم حقوق الإنسان بل هي "دولة مارقة" لا يحكمها قانون دولي ولا معايير إنسانية، وما فعلته بحق الفلسطينيين طيلة العقود الماضية تمثل شواهد حية وقائمة على الإجرام (الإسرائيلي) بحق الإنسانية جمعاء وليس الفلسطينيين فقط.
وفي نهاية المطاف، يترآى للعيان أن مشاهد الإنسانية والإرهاب (الإسرائيلي) لا يمكن لعقل أن يتجاوزها، إلا أن طبيعة التعامل مع (إسرائيل) والتقرب منها على حساب الفلسطيني ودمه أحيانا ما زالت سائدة برغم تغني تلك الدول باهتمامها بحقوق الإنسان، وفيما يبدو أن الفلسطيني لا يقع ضمن الإنسان الذي له حقوق.