شهر على الانتفاضة.. الحصاد يبدأ مبكرًا

خلال مواجهات بالضفة المحتلة
خلال مواجهات بالضفة المحتلة

غزة- محمود هنية

أبدت وسائل اعلام الاحتلال اهتمامًا واضحًا باستطلاعات الرأي التي تظهر حالة من العجز واليأس في صفوف المستوطنين، إذ تشير بشكل جلي تأييدهم للحلول السلمية مقابل توفير الأمن المفقود منذ ما يزيد عن شهر.

وتبدو سابقة في تاريخ صراعات الاحتلال الحديثة، أن تستصرخ الجبهة الداخلية مبكرًا في وجه قيادتها، لتحثها على وقف الأحداث مقابل أي ثمن سياسي حتى وإن وصل الأمر للانسحاب من الضفة المحتلة، متجاوزين بذلك أوهام العقائد الدينية التي تشبثت بها المؤسسة الاسرائيلية طويلًا لتبرير وجودها الاحتلالي هناك.

وطبقًا لاعترافات مسؤولين اسرائيليين، فإن (إسرائيل) تكاد تنهار مبكرًا على جميع الاصعدة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، بل وتجاوز ذلك لانهيار حاد في معنويات الجبهة الداخلية.

وأظهر أحدث استطلاع أجراه معهد البحوث الاسرائيلية (مدغام)، موافقة نصف المجتمع الاسرائيلي على الانسحاب من الضفة، مقابل توفير الامن ضمن اتفاق سياسي.

وأشار الاستطلاع الذي نشرته القناة العاشرة، أن 55% من المستطلع آراؤهم قالوا بان المستوطنات بالفعل عقبة في طريق اتفاق مع الفلسطينيين.

وردا على سؤال اخر هل تؤيدون او تعارضون اخلاء مستوطنات مقابل اتفاق طويل الامد مع الفلسطينيين؟، فإن 51% قالوا إنهم يعارضون، في حين ان 45% قالوا يؤيدون.

وردا على سؤال ثالث هل تؤيدون او تعارضون تجميد الاستيطان كخطوة تمهيدية لإعادة الهدوء فان 47% قالوا بأنهم يؤيدون تجميد الاستيطان، بينما كان أقل من 23% من الاسرائيليين يؤيدون ذلك من قبل.

ووفقًا للمختصين في الشأن الاسرائيلي، فإن هذه الاستطلاعات، تظهر بشكل جلي ثمرات الانتفاضة التي تتحقق لأول مرة في تاريخ انتفاضات الشعب الفلسطيني، حيث لم تحدث هذه التحولات من قبل في بداية الانتفاضتين الاولى والثانية، الا انها ظهرت مبكرًا مع اندلاع الانتفاضة الثالثة.

ويعزو المختصون ذلك لطبيعة تراكم الانجازات الميدانية على مدى الانتفاضتين، وخشية الجبهة الداخلية من دفع ثمن أكبر في الأيام المقبلة حال استمرت الأوضاع الراهنة، سيما في ظل ما يلوح في الأفق من محاولات لانتفاضة مسلحة.

ولم تخف المستويات السياسية لدى الاحتلال من خشيتها انفلات الأوضاع أكثر مما هي عليه الآن، وتذهب الأمور نحو "عسكرة الانتفاضة"، الأمر الذي سيغير المعادلات الداخلية بل ويقلبها تمامًا.

ويبدو أن سيناريو الانسحاب من الضفة على غرار انسحابه من القطاع في الانتفاضة الثانية، وارد في حسابات اروقة صناع القرار لدى الاحتلال، وفق ما عبرت عنه دوائر في صناعة القرار الأمني، حول   ضرورة ايجاد حل سياسي دائم يحقق الأمن في المنطقة الشمالية والشرقية للكيان.

وضجت قيادة الاحتلال بحالة الذعر في الجبهة الداخلية لدى الاحتلال، حتى أن رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، هرتسي هليفي، قال إن حالة الرعب لدى الاسرائيليين لو كانت عام 1948م، لما قامت اسرائيل، على حد اعترافه.

وقارن هليفي خلال محاضرته الهبة الأخيرة بالعديد من الحروب التي خاضتها "إسرائيل" في السابق، وقوة الضربات التي تتلقاها في الجبهة الداخلية.

وقال إن "الحرب القادمة ستكون أقسى بكثير في الجبهة الداخلية"، واستحضر مثال حرب يوم الغفران كمقارنة إذ قال إنه "في حرب 2008م كان لدينا قتيل واحد في الجبهة الداخلية، اما الباقون فكانوا جنودًا".

أمّا الانهيار السياسي داخل الكيان لخصه مسؤول اسرائيلي لموقع معاريف العبري، بقوله" أن الخلاف السياسي لدى الاحزاب الاسرائيلية سيعجل بانهيار اسرائيل قبل ان يفعل ذلك الفلسطينيون"، ويوضح ذلك بوجود حالة من التسابق لدى استثمار المناخ الراهن من الضعف والانهيار لصالح المزايدات السياسية بين هذه الاحزاب.

ويفسر رفيق ابو هاني المختص في الشؤون الامنية، الاعتراف المبكر لدى الكيان بالهزيمة، هو غياب جنرالات الكيان التي كانت تقف على رأس الكيان سابقًا امثال شارون ورابين وغيرهم، على عكس هذه القيادة الضعيفة التي تحكم الاحتلال.

ويضيف ابو هاني لهذا السبب، عاملًا آخر يتمثل في اختلاف مكونات هذه الانتفاضة عن سابقاتها، وسرعة وتيرتها بشكل أكبر وأقوى من ذي قبل، وما تملكه من خبرات متراكمة لم تكن متوفرة سابقًا.

ونوه إلى شعور الاحتلال بخطورة التحول نحو المقاومة المسلحة، الامر الذي يفسر هذا الارباك لدى قيادة الاحتلال.

ويشاركه الرأي المختص بالشأن الاسرائيلي محسن عواجة من الداخل المحتل، إذ يؤكد وجود جبهة واسعة من المعارضة الاسرائيلية لبنيامين نتنياهو، مشيرًا إلى أنها تؤخذ امتدادًا أوسع في الجبهة الداخلية لإنهاء الاحتلال، خاصة في ظل الخوف الذي يسيطر عليهم.

وعلى صعيد الاقتصاد الاسرائيلي، فتحدث عنها باختصار البرفسور الاسرائيلي، آفي بن باست، الذي قال إن اسرائيل توجه اليوم تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، فمنذ عام 2014 هناك انخفاض بنسبة 4.5% بالاستثمارات، وفي الربعين الأول والثاني من عام 2015 سجل انخفاض بنسبة 8% و3.3%.

ووصف بن باست الانتفاضة الحالية بـ "القاتلة للاستثمارات"، وأنها ستقضي على ما تبقى من أوضاع قائمة، وفق تعبيره.