مع بديهية أن شهرا واحدا في عمر الانتفاضات والثورات هو مدة قصيرة جدا، وعلى فرض أنه من المبكر الآن حصر حصاد انتفاضة القدس، إلا أنه لا يمكن القفز عن الإنجازات السريعة التي أحدثتها على الصعيدين السياسي والميداني، إذا ما قارنّا ذلك بوضع ما قبل الفاتح من أكتوبر، بدءا من أنها أخرجت القضية الفلسطينية من عنق الزجاجة الذي كانت محصورة فيه، بعدما كانت تائهة عربيا ودوليا ومنقسمة بين ثلاث وحدات جغرافية: الضفة المحتلة التي كانت حتى وقت قريب خارج الصراع، وقطاع غزة المحاصر، والقدس المستفرَد بها.
ثم إنها أعادت حالة الاشتباك التي من المفترض أن تكون قائمة بين احتلال وشعب محتَل، على ضوء النظريات (الإسرائيلية) التي تحاول عبر الاتفاقيات المشتركة، وأهمها أوسلو، إظهار أن احتلال الأراضي الفلسطينية هو الأرخص والأقل كلفة، لكن انتفاضة القدس أثبتت عكس ذلك.
عدا عن أنها أعادت الكيان (الإسرائيلي) إلى مربع الخوف، ورفعت منسوب الرعب لديه، للدرجة التي جعلت الجندي (الإسرائيلي) في أقوى ألوية الجيش (جفعاتي)، يتجول بسلاحه بشوارع الضفة و"الرصاصة في بيت النار"، ويقْدم في كثير من المواقف على قتل مستوطنين يهود؛ ظنا منه أنهم فلسطينيون ينوون تنفيذ عمليات طعن، في دليل واضح على أن الانتفاضة فضحت هشاشة المنظومة الأمنية (الإسرائيلية).
ووصل الخوف ذروته بإصدار 120 من كبار الحاخامات (الإسرائيليين) فتوى دينية بتحريم زيارة اليهود إلى المسجد الأقصى وإقامة الشعائر التلمودية فيه، بعدما كانت اقتحامات المسجد تتم بشكل يومي بحامية أمنية، وأيضا إصدار رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قرارا بمنع وزراءه وأعضاء الكنيست من زيارة الأقصى، وهي مقدمات لإنهاء التقسيم الزماني والمكاني للأقصى، وأهم ثمار انتفاضة القدس.
حتى على الصعيد الاقتصادي، فإن لغة الأرقام (الإسرائيلية) تتحدث عن إنجازات الانتفاضة في هذا الشأن، إذا ما علمنا أنها هبطت بمؤشرات البورصة، وعادت على (إسرائيل) بأضرار اقتصادية مؤلمة، ودفعت (كارنيت بلوغ) محافظة البنك المركزي (الإسرائيلي)، للتحذير من أن إطالة أمد المواجهات سيزيد التأثير السلبي على الاقتصاد "بصورة مخيفة".
ويُحسب لانتفاضة القدس أنها جددت التأكيد على تنوع أساليب المقاومة الفلسطينية وتعددها، بعدما كانت محصورة في أذهان المجتمع الدولي على أنها "صاروخ يُطلق من غزة" فقط، ليعود مجد الحجر والسكين، بالتزامن مع عودة روح المقاومة وثقافتها، عقب المحاولات (الإسرائيلية) المستمرة؛ لكيّ وعي الجيل الفلسطيني الناشئ، الذي انبثقت منه شرائح اجتماعية جديدة دخلت على خط المواجهة، فظهر العنصر النسوي بقوة، وأثبت وجوده في المواجهات الميدانية، الأمر الذي يضفي دلالات على أنها انتفاضة شعبية، بعيدة عن الحزبية والتمييز الفصائلي.
وهذا يقودنا إلى استنتاج بأن مبدأ عدم وجود رأس للانتفاضة (قيادة حزبية) هو بحد ذاته عامل إيجابي، يخدم ديمومتها، وفي المقابل يصعّب خيارات قيادة الاحتلال في التعامل معها، خصوصا أن (إسرائيل) كما هو متعارف عليه، دولة تهرب إلى الأمام دوما، وفي وضعها اليوم فإنها تفتقد إلى عنوان توجه إليه سهامها، وتحمّله مسؤولية ما تسميه بـ "الإرهاب".
وفي الوقت نفسه، فإن الانتفاضة كما يبدو "برّدت" حالة المناكفة السياسية بين الفصائل الفلسطينية، وخصوصا بين حركتي فتح وحماس، ووحدت الجميع على مبدأ المقاومة بمختلف أشكالها، على وقع اتفاق الكل الفلسطيني بأن الانتهاكات (الإسرائيلية) كانت شرارة البارودة التي أخرجت المارد الفلسطيني من قمقمه.
وعلى الرغم من الإنجازات النوعية المبكرة لانتفاضة القدس إلا أنها لا تنفي وجود مخاطر تهدد مسارها، إذا ما جرى استغلالها وتوظيفها، تتعلق بداية بعدم وجود قيادة ميدانية، تضخ الحماسة في عروق الشباب الثائر، وتوجه الجهد البشري بكفاءة وفعالية، ضمانا لاستمراريتها.
ويضاف إلى ذلك خطر استغلالها من أطراف سياسية، ومنها فلسطينية أيضا؛ من أجل تحرير ملف التسوية السياسية، والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ثمن لا يليق بتضحيات الانتفاضة في شهرها الأول، بارتقاء نحو 73 شهيدا وإصابة ما يزيد عن 3 آلاف، أو احتمالية أن يستغلها الاحتلال (الإسرائيلي) لفرض وقائع جديدة وتنفيذ مخططات إجرامية، مع عدم استبعاد خطر التنسيق الأمني الفلسطيني.