أبو مازن ليس عرفات.. "تصعيد الانتفاضة" خارج حساباته

غزة-أحمد الكومي

يظهر أن التحركات الدولية لاحتواء الانتفاضة نضجت مبدئيا باتفاق أردني-إسرائيلي حول مدينة القدس، بوساطة أمريكية، لكنها في كل الأحوال لن تخفف الضغوط عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي بات أسير خيارات محدودة، ليس من بينها "تصعيد الانتفاضة" لناحية العمل المسلح كما فعل سابقه الراحل ياسر عرفات، انطلاقا من قاعدة أن سلوكه لا يتناسب مع الفعل الثوري القائم في الأراضي الفلسطينية، باعتباره سياسي يرضع السلام، ولا يؤيد العنف.

ونجده يحافظ على وتيرة التنسيق الأمني بالضفة المحتلة بالتزامن مع خطاباته المتلفزة، التي حملت في بعض جوانبها لغة التهديد، مثل تلويحه بوقف العمل بالاتفاقيات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع إسرائيل، استحق ذلك الإشادة بدوره على الصعيد الأمني الإسرائيلي، بأنه لا يحرض على إيذاء الإسرائيليين، بل على العكس يصدر أوامره لأجهزة الأمن الفلسطينية بالعمل ضد الانتفاضة.

حتى إن بعض المحللين الإسرائيليين يرون أن "الأحداث لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، في ضوء أوامر عباس، وعدم كسر السلطة الفلسطينية لأدوات التنسيق الأمني".

وبعد دخول الانتفاضة أسبوعها الرابع، يؤمن الرئيس عباس أن الأوضاع تحت السيطرة في المناطق الخاضعة للسلطة، في الوقت الذي تتركز فيه العمليات بمناطق القدس والمستوطنات وبئر السبع، وكلها خاضعة للاحتلال، وهو الأمر الذي منحه صفة مراقب لصيرورة الأحداث منذ بدايتها، حاول استغلالها بطلب العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط محسّنة، ووقف الاستيطان، لكنها شروط تدخل في حُكم "المُتغير" خصوصا أنها محكومة بالوضع الميداني، الذي من الصعب ضمان عدم انفلاته إذا ما تطورت الانتفاضة واتسعت حدودها.

حينها، فإن كل خطط الرئيس عباس ستتغير وسيكون أمام خيارين أحلاهما مرٌ، إما تقويض الانتفاضة ومحاولة وأدها بما يرضي إسرائيل ويخسر شعبه، أو أن يسير في ركبها ويخسر إسرائيل، وبعدها ينتظر مصيرا مشابها لمصير الرئيس عرفات.

أما الثابت في خيارات الرئيس عباس، فهو طلب "التدويل" باعتباره أفضل مخرج للأزمة الراهنة، لكنه على أهميته خيار فضفاض لم يقدم تصورات واضحة ولم تُفهم طبيعته، إن كان يقصد أكثر من وسيط دولي للتسوية، أم طلب تواجد دولي في الضفة الغربية ومحيط الحرم المقدسي، على غرار التواجد الدولي المؤقت في مدينة الخليل، وهو المقترح الذي رفضته "إسرائيل" والولايات المتحدة حتى اللحظة.

ويرغب أبو مازن في العودة إلى طاولة المفاوضات بناء على مبادرة دولية جديدة، على شاكلة المبادرة الفرنسية لتوقيع اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بمدة زمنية خلال عامين، والتي رفضتها إسرائيل، بدعوى أن وضع سقف زمني مسبق للاتفاقية سيؤدي لفشلها، مستدلة بأن وزير الخارجية الأمريكي جرب سابقاً وضع سقف زمني إلا أنه فشل في ذلك.

وسبق أن أبلغ الرئيس عباس وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، أن السلطة ستلجأ إلى ثلاثة خيارات متزامنة، من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني، هي: طلب الحماية الدولية لكف يد الاحتلال، وتشكيل لجنة تحقيق دولية نتيجة انعدام الثقة بالرواية الاسرائيلية، وفتح أفق سياسي لإتمام ملفات الحل النهائي، وعلى رأسها حل قضية اللاجئين والأسرى والقدس.

وقد يضطر أبو مازن إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية والأطراف الدولية من أجل قبول شروطه، من خلال الملفات الفلسطينية الداخلية، مثل التلويح بتفعيل المصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو دعوة الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير إلى الانعقاد، وكذلك المجلس التشريعي، لكن من المهم التأكيد على أن لجوء الرئيس إلى هذه الأوراق الداخلية لن يكون إلا في إطار المناورة فقط.

في المحصلة، فإن صاحب الخيار هو صاحب الفعل، والناظر إلى خيارات الرئيس أبو مازن ينتهي على أنه لا يملك أدوات الفعل، عدا عن أنه رئيس يفضل الخبز الناشف في زمن السلم على اللحم في زمن الحرب.