تحاول الإدارة الأمريكية عبر وزير خارجيتها جون كيري إطفاء لهيب الانتفاضة المشتعل للأسبوع الرابع على التوالي من خلال جولات مكوكية كان آخرها في الأردن، خاصة وأن دولة الاحتلال لم تفلح في اخمادها من خلال البطش المتواصل.
ورغم الانشغال الدولي بقضايا -هي في نظرهم- أكثر إلحاحا، إلا أنهم لا يستطيعون أيضا غض النظر عما يدور في الأراضي الفلسطينية خاصة مع استمرار شلال الدم الذي تتسبب به دولة الاحتلال.
***الوضع القديم
واختتم اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، في العاصمة الأردنية عمّان، السبت الماضي، بطلب عباس العمل على تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني، بحسب ما أعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات.
وأشار عريقات إلى إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس طالب خلال لقائه بإعادة الوضع في القدس إلى ما كان عليه.
وقال عريقات في تصريحات للصحافيين بعد اللقاء الذي دام نحو ساعة في مقر إقامة الرئيس الفلسطيني في عمان، إن رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو غير الوضع القائم بالمسجد الأقصى المبارك وبالتالي نحن والأردن نطلب من الجانب الأميركي أن يعيد إلى ما كان عليه".
وتحاول الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية الضغط على المملكة الأردنية لتنفيذ الوصاية على مدينة القدس، فيعمل كلا الطرفان على رمي الكرة في ملعبها للخروج من المأزق الحالي الأمر الذي دفع أبو مازن لجعل الوصاية مكتوبة للمرة الأولى في التاريخ الفلسطيني.
المحلل السياسي حسن عبدو رأى أن رئيس الوزراء (الإسرائيلي) يصر على مواقفه المتطرفة حيال الاستيطان واقتحام المسجد الأقصى، موضحا أن حكومة الاحتلال أصدرت بيانا مراوغا يعطي الحق للمستوطنين بزيارة الأقصى.
وبحسب عبدو فإن كل مقومات الانتفاضة لازالت موجودة الأمر الذي سيؤدي إلى اشتعالها أكثر.
وكان ديوان رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو قد أصدر عند منتصف الليل من يوم السبت بياناً رسمياً كرر فيه حفاظ (إسرائيل) على الوضع القائم في الحرم القدسي حيث جاء فيه ان (إسرائيل) ستواصل تطبيق سياستها القديمة: المسلمون يصلون في الحرم القدسي، وكل من ليس مسلماً يسمح له بالزيارة".
ويأتي بيان ديوان رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بعدما أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري في عمان عن الاتفاق بين الجانبين الأردني و(الإسرائيلي) على اتخاذ تدابير جديدة بخصوص المسجد الأقصى في مسعى لإنهاء موجة العنف بين (الإسرائيليين) والفلسطينيين.
اتفاق جديد
إلا أن المحلل السياسي تيسير محيسن قال إن الاحتلال لا يرغب في ان يرى العمل الانتفاضي يتطور كما أنه لا يريد أن تقود قوى المقاومة ما يجري في القدس والضفة بحيث يجعل مهمة السلطة صعبة في لملمة الأوضاع متى ارادت ذلك.
وتوقع أبو محيسن أن التاريخ يعيد نفسه، وسيحدث ما جرى في العام 96 عندما احتوى الرئيس الراحل أبو عمار هبة النفق بعد اجتماع رباعي ضم السلطة والأردن والاحتلال برعاية أمريكية توجت باتفاق واي ريفر وانسحاب من مدينة الخليل.
ورجح أن تقبل السلطة خاصة وان الإدارة الأميركية اجتمعت بذات الأطراف، متسائلا هل المساحة المتاحة لدى نتنياهو ممكن ان تسمح بالتخلي عن مراكز تجمعات سكانية فلسطينية في شرقي القدس لصالح دخول السلطة لها، مقابل أن تنهي السلطة حالة الانتفاضة.
وربط ذلك بخطاب رئيس السلطة عندما قال انا أستطيع ان أضبط الأوضاع انا لست موجودا في شرقي القدس وهي رسالة مبطنة تلقاها العديد من الوزراء في دولة الاحتلال وباتوا يطالبون بالانسحاب من أجزاء من القدس وهو الأمر المثار الآن في اروقة الاحتلال السياسية.
وأظهر استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، الجمعة الماضية أن 66% من اليهود في (إسرائيل) يؤيدون انسحاب من الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة.
وقال 67% إنهم غير راضين من طريقة تعامل رئيس الحكومة (الإسرائيلية)، بنيامين نتنياهو، مع الهبة الفلسطينية الحالية في القدس، فيما دعت نخب (إسرائيلية) إلى الانسحاب من "القدس الشرقية" لتجنب وقوع مزيد من القتلى في جانب المستوطنين.
ويقول المحلل السياسي عبدو أن الجمهور داخل دولة الاحتلال يشعر أن نتنياهو لم يستطع توفير الأمن الشخصي لهم وهو ما يدعوهم لطلب الانفصال عن الضفة الغربية،
إلا أن المعطيات على الأرض لا تشير إلى رغبة لدى دولة الاحتلال لخلق واقع سياسي جديد يستند إلى شروط السلطة الفلسطينية، خاصة وان السلطة تحاول الحفاظ على مستوى يضمن لها السيطرة على الأمور متى أرادت في ظل استمرار التنسيق الأمني ومنع الاحتكاك مع الاحتلال في العديد من النقاط الخاضعة لسيطرة السلطة.
يصعب قطع رأسها
وبحسب محيسن فإن قبول دولة الاحتلال بذلك الطرح سيعتمد على قوة الانتفاضة وتأثيرها وقدرة الإدارة الأمريكية التأثير عليها، مبينا أن الأسباب السابقة هي التي تدفع السلطة لمجاراة الانتفاضة وجعل حركة فتح حاضرة لكي تتمكن من قطف الثمار وانهاء الحالة القائمة متى شاءت.
وتحاول الإدارة الأمريكية ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية لذا جمّد مجلس النواب الأميركي تحويل المساعدات الأميركية السنوية للسلطة الفلسطينية، وذلك بذريعة 'الوضع الأمني في (إسرائيل). وذلك قبل ساعات قليلة من لقاء الرئيس محمود عباس ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري في عمان.
وقال رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ إد رويس في مداولات بالكونغرس: "يجب فحص طرق أخرى من أجل وقف التحريض الفلسطيني. التحريض موجود الآن في الشبكات الاجتماعية، الراديو، التلفزيون وفي الصفوف التعليمية". وأضاف "الكونغرس سيقوم بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية ما دام التحريض للقتل مستمرًا".
المحلل السياسي محيسن أعرب عن خشية من أن تنقلب الطاولة في وجه الاحتلال والسلطة في حال حدوث عمليات موجعة في قلب دولة الاحتلال.
وتوقع اتفاقا من تحت الطاولة بين كيري ونتنياهو في المانيا يقتضي إلزام الاحتلال التخفيف من حدة إجراءاته بحق الفلسطينيين والإجرام الذي يمارسه لأن العادة اقتضت دوما أن امريكا تلجأ لحماية (إسرائيل) من غبائها.
ويرجح محللون أن الانتفاضة ستبقى خارج سيطرة أي من الأطراف لأنها بلا رأس لذا فإن من الصعب اقتطاعها.