لون بشرته السمراء وتلك البزة العسكرية التي فُرض عليه ارتدائها خلال سنوات التجنيد داخل الجيش (الإسرائيلي) لم تعط الاحتلال أي دلالة بأن الطعنة المقبلة ستكون من "ابن السبع" مهند العقبي!
فلم يتغن ابن عاصمة النقب بحبه لفلسطين بالشكل المعلن كما ثوار الشمال، وأنامله لم تحفز الوطن للتباهي بنرجسيته كما فعل الشهيد بهاء عليان حول أسوار القدس حيث أجبرته (إسرائيل) وشريحة واسعة من أبناء جيله بأن يدفعوا ثمن بقائهم على الأرض بإدراج جزء كبير منهم في خدمة التجنيد الاجباري ولم يكن ذلك فحسب بل اجتثتهم من بيئتهم البدوية والخيام ووزعتهم في مدن التوطين القسري والتي تعتبر مسقط رأس مهند "حورة" واحدة منهم حيث أبصر النور فيها بلا هوية!
وبعد أن كانت كتف الشهيد العقبي الى أكتاف الجيش (الإسرائيلي) حيث اعتبروه يومًا "الكتف العريض" لهم لاسيما في أيام حاجتهم استيقظ مهند على صرخات الضفة والقدس وهوية أراد لها أن تعود.
ثمانية وعشرون طعنة لم تكن وحدها ما أنجزها مهند خلال عملية محطة الحافلات المركزية بمدينة بئر السبع مساء الأحد الماضي _أسفرت عن مقتل إسرائيليان أحدهما مهاجر من أصل إريتري واصابة تسعة آخرون _فالطعنة الكبرى وجهت لـ " برافر" وهو أضخم مشروع (إسرائيلي) يسعى لتهويد النقب.
"مهند" ذاك الاسم الذي سجلته ذاكرة الفلسطيني وارتبط بالنخوة والغضب خلال انتفاضة القدس استطاع أن يحدث شرخًا واضحًا في جدار التهويد الذي ما فتئت تبنيه (دولة الاحتلال) منذ ما يزيد عن ستة عقود في الشطر الجنوبي من الوطن، فكانت هي الصدمة التي ضربت الكيان في مقتل وهو ما لخصه أحد ضباط (إسرائيل) بالقول "آخر ما توقعناه أن تأتينا الضربة في بئر السبع وتفاصيل العملية مفاجئة لنا".
مرحلة جديدة
ماذا يعني أن يكون منفذ عملية بئر السبع من فلسطين المحتلة عام 1948؟ هل يمكن أن يعني ذلك أن الشعب الفلسطيني ينتقل من حالة التشظي السياسي، حيث لكل تجمع فلسطيني قضاياه وهمومه، إلى حالة من الوحدة ليس الميدانية فقط، وإنما الوحدة الوطنية الحقيقية؟ تساؤلات أستاذ التاريخ نهاد الشيخ خليل ختمها بإجابة مختصرة "أتوقع أن هذا ما سيحدث!"
التخوف بات جليًا في تصريحات المراقبين (الإسرائيليين) حيث يرى المستشرق (الإسرائيلي) "آلون أفيتار" بأن الانتفاضة حققت للفلسطينيين خمسة أهداف أبرزها من وجهة نظره "توحيدهم في المناطق الأربعة المعزولة جغرافياً: الضفة وغزة والقدس والـ 48.
وبات من البديهي بأن عملية بئر السبع أسست لمرحلة جديدة للانتفاضة فهوية المنفذ ومكانها كان أبرز ما ميزها فهي اختراق للعمق والمنظومة الأمنية ولكل الإجراءات العنصرية التي أقرها الكابينيت (الإسرائيلي) في الساعات الأخيرة، والتي من خلالها فرض الحصار على مدينة القدس المحتلة وقُراها، وعزلها بالكامل عن بعضها البعض بجدران عازلة وفق رؤية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي واقع الحال تعني العملية أن توزيع القوات (الإسرائيلية) وتركيزها بشكل كبير في منطقة القدس، سيفرض على القيادة إعادة توزيع هذه القوات، في مختلف المناطق الجغرافية، خاصة أن ذلك يثبت أن الجدار الفاصل، أو غيابه في جنوب فلسطين، وتحديداً عند منطقة الخليل، يلزم اتخاذ تدابير جديدة لمنع تكرار العملية بحسب القناة (الإسرائيلية) الثانية.
مهند ابن بئر السبع استطاع أن يضرب منظومة الأمن لدى الاحتلال والتي هي في أعلى درجات التأهب كما يرى حسام بدران الناطق باسم حركة "حماس" في الضفة الغربية.
المرحلة الجديدة التي أسس لها منفذ العملية لم تكن على صعيد الانتفاضة فحسب بل استطاع أن يهدد ما يتعرض له الجزء الجنوبي من فلسطين التاريخية من أبشع عمليات التطهير العرقي في التاريخ الحديث ويعيدنا بالذاكرة الى هدم قرى النقب كالعراقيب التي تعدى هدمها الثمانين مرة!
كنز استراتيجي
النقب الممتد من عسقلان وحتى رفح وعلى طول الخط المستقيم الفاصل مع سيناء والذي يشكل أكثر من ثلث مساحة فلسطين فانه وبحسب مجدي طه باحث متخصص في شؤون الداخل الفلسطيني، اعتبر على فترات زمنية طويلة كنز استراتيجي على المستويين الأمني والتمويني، فقد صدّر النقب أكثر من نصف المواد الغذائية والتموينية للفلسطينيين في فترة ما قبل الاحتلال البريطاني لهذه البلاد.
الهجمة الشرسة على هذا الجانب من فلسطين لم تبرز منذ مخطط برافر _الذي أقره الكنيست يوم عام 2013 بناء على توصية من وزير التخطيط (الإسرائيلي) إيهود برافر لتهجير سكان عشرات القرى الفلسطينية من صحراء النقب ، وتجميعهم في ما يسمى "بلديات التركيز"_ انما تعود تاريخيا إلى سنوات مبكرة سبقت ولادة المؤسسة (الإسرائيلية)، فقد حاولت الحركة الصهيونية عبر اذرعها الاستعمارية المتعددة التهام قدر واسع من أراضي فلسطين وتحديدا النقب ، حيث تمسكت بقانون الأراضي العثماني للعام 1858 الذي يعتبر الأراضي التي يطالب بها البدو تعود ملكيتها للدولة باعتبارها "أراضي موات" أي أنها غير مسكونة وغير مزروعة وغير مسجلة بحسب الكاتب طه.
جذوره فلسطينية
بشرته السمراء لها امتدادها في الضفة وغزة وجذوره الفلسطينية تشد وتقوى على الجدار الذي أقامه الاحتلال بين بدو النقب وبين سكان فلسطين فما بنته (إسرائيل) خلال الستة عقود الماضية هدمها مهند "ابن السبع" خلال ثوان.
"هذا تصرف فردي ونحن ضد العنف، ابني تم إعدامه متعمدا من قبل أفراد الشرطة ولا يمكنه التصرف هكذا" حالة الحذر خلال حديث خليل العقبي _والد مهند_ لصحيفة يديعوت أحرونوت
كانت نابعة من هاجس الاعتقال تارة ومن التضييق والاستيلاء على ما بقي من أراضيهم وتهجيرهم حيث لامست "الرسالة" ذلك أثناء محاولتها التواصل مع شخصيات اسلامية ونشطاء وكتاب من النقب.
"مهند" ومن سيستيقظ خلفه من شباب بئر السبع سيستطيع أن يحدث شرخ قد يتحول الى فجوة عميقة مع مرور الوقت في جدار عزل النقب وتهويدها بعد سنوات من فقدان الهوية وخدمة في جيش الاحتلال.