لا يوجد حجر ساكن على هذه الأرض .. تلك التي اعتادت أن تنبت الشهداء في الصباح قررت أن يكون للمساء سمفونية غضب كـ "طالعلك يا عدوي " أو تلك التي تلامس خذلان العرب لأخت المرجلة في القدس !
بين الملامح وقبضات أيادي الثوار للحجر مزيج يميزه عن غيره من أجيال الانتفاضات السابقة فربيع أعمارهم لم يتجاوز عمر صورة الشهيد محمد الدرة التي علقت على عتبات ذاكرة الوجع الفلسطينية , ووسيلتهم لمواجهة قناص "روغر" لم تتعدى حدود المطبخ حيث لمع السكين في بؤر المواجهة حتى تبعته فصيلة "المفكات".
بكوفية الملثم ومقلاع الثائرة التي برزت في الميدان وزادت المشهد جمالية وصل لهيب الانتفاضة تباعًا من خلال الصور التي تناقلتها وسائل الاعلام خلال المواجهات على نقاط التماس مع الاحتلال , حيث جسدت صورة الصليب الحاضرة في المواجهات حول عنق مناضل يلقي الحجارة بمساعدة شبان وفتيات يرتدين الحجاب وحدة البوصلة باتجاه القبعات المستديرة فوق رؤوس المستوطنين وبندقية قناص فوق أسوار الأقصى .
الجندي هنا في متناول حجر الثائر على حاجز بيت ايل شمال رام الله وباب الزاوية في الخليل حيث استحدث أحد الجنود درع واق له من حجارة المنتفضين فكانت حاوية القمامة هي الخيار وبات الشخص المناسب في المكان المناسب !
في حين قرر أحد الشبان أخذ استراحة محارب بعد أن اختار أكبر الحجارة حجمًا وأسند رأسه عليها مخاطبًا السماء بأن التحرير بات مسألة وقت , ولسان حاله يردد : "ذخيرتي من حولي ولا مفر للعدو فمصيره الخروج من تلك الحاوية لتصطاده حجارتي" .
نومته الهانئة وتحت رأسه صخرة وسط زخات من الرصاص وقنابل الغاز جعلت كل من شاهده على يقين بأن الحجر يتشكل كيفما يريده الثائر فتارة يصبح وسادة ضاهت ريش النعام بنعومتها وأخرى قطع جمر ملتهبة لا تبقي ولا تذر!
في أقصى الشرق من ذاك الوطن المشتعل أغلقوا سوق القدس القديمة بعد تنفيذ الشهيد مهند حلبي مفجر الانتفاضة عملية طعن أسفرت عن مقتل مستوطنين واصابة آخرين , على ناصية الحلم تساءل المسن أبو عائد "وهل يظنون أننا بحاجة لدكاكين العود والبخور بعد اليوم عطر الشهيد يكفينا أيها المحتل ".
ذاك العطر فاح شذاه حينما رابطت المقدسيات في تلك الشوارع بعد تحويلها لمزار للمستوطنين ونشر اليافطات الاستفزازية والهتافات العنصرية بحماية شرطة الاحتلال, وامتزج بخور العطارين بدم شروق دويات 18 عامًا بعدما أطلق مستوطن النار عليها بدم بارد لرفضها خلع الحجاب.
أمسك المسن أبو عائد بمذياعه رمادي اللون كخوذة ذاك الجندي باهتة المعالم عله يستمع الى خبر يشفي غليله بعد صرخات دويات ألمًا التي تلاشت تدريجيًا كما رائحة الكعك التي كانت ترافقه في الطرقات بعد فرض حصار على المدينة ومنع دخول المصلين للبلدة القديمة والمسجد الأقصى بعد تكرار عمليات الطعن .
اقترب أحدهم من المسن ليريه عبر هاتفه المحمول صورًا من اشتباكات الضفة والداخل المحتل فاستوقفته صورة لفتاة ملثمة بالكوفية تمد يدها نحو أحد الشباب لتقدم الحجارة له وهنا صرخ الحاج في الصورة وردد "خذ منها فإنها ثائرة وانها انتفاضتكما".
بسمتكم ثورة !
الثوار يعلمون جيدًا بأن ابتسامتهم تغيظ المحتل حينًا وتربكه أحيانًا فزادوا من رقعتها على محياهم حتى كادت أن تصل حد الأذنين كتلك التي أهدتها الثائرة الصغيرة شيماء أحمد لفلاش الكاميرات لحظة اعتقالها بعد مشاركتها في مظاهرة نصرة للقدس في مدينة الناصرة بالداخل المحتل .
مدن المثلث في الداخل الفلسطيني تنتفض هي الأخرى رغم حالة التضييق الأمني التي تشهدها الا أن بسمة شيماء كانت ثورة رغم معاصمها المكبلة .
ذاك الداخل والذي زفر الآه قهرًا بعد أن تابع فيديو مؤثر لابنة العفولة اسراء عابد والتي لم تكن تحمل أي سكين فيما كان الجنود يطلبون منها خلع ثيابها وإلقاء كل ما معها، إلا أنها لم تفعل ذلك حيث بدت مرتبكة بشدة وكأنها لا تفهم ما يقوله ، قبل أن يتم إطلاق النار عليها وإصابتها.
صرخة عابد وصلت الى مسامع ابن السادسة عشر إسحاق بدران من بلدة كفر عقب قضاء القدس ففرغ غضبه بطعن اثنين من الحيريديم الصهاينة قبل اطلاق النار عليه , الشهيد بدران ترك خلفه رواية تتسلل أحداثها تباعا في صور تناقلت له قبل تنفيذ العملية وخلالها وبعد أن حمل لقب الشهيد!
توحد موجة البث عبر ذاك المذياع وترانيم طالعلك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع
أخافت رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو فبعث رسالة لرئيس السلطة محمود عباس مفادها:" امنع الأغاني الوطنية في وسائل الإعلام !".
ذاك الخوف والهوس الاسرائيلي لم يتولد من حجر الملثم ومقلاع الثائرة وسكين المرابط , فتلك الأغاني الثورية تعيدهم الى زمن قُهر فيه جيشهم الذي ادعوا يومًا بأنه لا يهزم !